تحالف ضد الطبقة الوسطى

خلال آخر خمس سنوات شهدت معظم فئات الطبقة الوسطى إزاحة نحو المزيد من الإفقار والتهشيم والتهميش، ولعل تفحص الخصائص الاقتصادية والديمغرافية للمشاركين في الحراكات الشعبية توضح أنهم من الفقراء الجدد، وجلهم من أبناء القطاع العام الذي لم يعد مولدا للطبقة الوسطى، كما كان يفعل على مدى تسعة عقود من عمر الدولة بل صار مولدا للفقراء الجدد، الظاهرة الصادمة التي أخذت تتضح هذه الأيام هي التحالف بين القطاعين العام والخاص على المزيد من تهشيم الطبقة الوسطى وإفلاسها.اضافة اعلان
 أحد مصادر القلق، كيف تتم في هذا الوقت معالجة فجوة الموازنة والعجز السنوي المتنامي على حساب الطبقة الوسطى وبتحالف مريب، نلاحظ كيف تضاعف الدين الداخلي وجزء كبير منه يعتمد على موارد القطاع الخاص، الواقع الذي يوفر بيئة للتواطؤ المتبادل على حساب ما تبقى من هذه الطبقة، من رفع الدعم الذي يوفر الغطاء لقوانين السوق أن تمارس أبشع نزعاتها المصلحية على حساب من بقي معهم ما يمكن أن يدفع حتى منتصف النهار، التحالف بين الطرفين يتضح أكثر حينما يبقى تعديل منظومة الضرائب مجرد دعاية رسمية وتعبئة لتمرير قرارات اقتصادية.
 معظم الفاعلين في الحراك الشعبي اليوم هم من ابناء القطاع العام غير راضين عن احوالهم المعيشية والوظيفية، هذا لا يعني ان العاملين في القطاع الخاص راضون عن أوضاعهم بل معظمهم في أوضاع أسوأ من القطاع العام، لكن المؤسسات الرسمية أبوية تتحمل وتناور وتتنازل وتسترضي، لكن العاملين في القطاع الخاص لا آباء لهم، وينتظرهم الشارع إذا ما رفعوا رؤوسهم، وفي الحالتين ثمة تواطؤ واتفاق ضمني على مقولة دع هذه المرحلة تمر دون الالتفات لحجم الخراب الذي يضرب الهياكل الاجتماعية والاقتصادية.
نلاحظ شكلا آخر لهذا التحالف يساهم في النمو المتسارع للأزمة؛ الإدارات العليا في القطاع العام أو الخاص تستأثر بمستويات خيالية من الرواتب والامتيازات، ما جعل الخلل في المعادلة لا يمكن تصوره، او التعايش معه. تصوروا في إحدى شركات المناطق التنموية التي أنشئت في المحافظات ان مجموع رواتب اكبر خمسة موظفين في هذه الشركة العامة يتجاوز مجموع رواتب كافة العاملين في الشركة الذين يتجاوز عددهم سبعين موظفا.
اليوم يشترك القطاعان العام والخاص بالشراكة في الفساد وتقاسمه على حساب المنتجين الحقيقيين أبناء الطبقة الوسطى، فتراجع الحاكمية والرشد الذي شهدته مؤسسات الدولة انسحب على القطاع الخاص بقسوة ومرارة أكثر، وبينما كان القطاع الخاص زبونا مدللا للحكومات، أصبحت الحكومات زبونا مؤدبا ومدجنا للقطاع الخاص.
 إعادة التشكل التي تشهدها الطبقة الوسطى في هذا الوقت تذهب نحو تضخم الفئة الدنيا من هذه الطبقة بعد أن غادرها الكثير من العاملين في القطاع العام نحو الطبقة الفقيرة العريضة، في حين أن الفئات العليا من الطبقة الوسطى فرغت لصالح تضخم الفئة الدنيا من هذه الطبقة، وهي الفئة القادرة على التأثير وإحداث الفرق على الأرض وفي الشارع.   الخطير أن هذه التحولات لا يلمس أثرها على المستوى الاجتماعي مباشرة،  بل تتفاقم حتى تنفجر على المدى المتوسط وتتحول الى كارثة، رغم أنه من السهل مراقبتها في الحياة اليومية، وفي تسلل مؤشرات الرداءة إلى حياة الناس، لكن من يصنع القرار عادة لا يعلم شيئا عن الحياة اليومية للناس ولا يعيشها.