تحرير الدين من الاستبداد

نحتاج أولا (ولا بأس من تكرار القول في ذلك) إلى التمييز بين الإسلام باعتباره نصا دينيا مقدسا والتطبيق العملي للإسلام أو الخطاب الإسلامي، وفي المجال السياسي، فإن الخطاب الإسلامي هو عمليا "الفكر السياسي للمسلمين" وليس الفكر السياسي الإسلامي، هذه المقولة ضرورية جدا للمجتمعات والجماعات والدول حتى لا يعتقد أحد أن فهمه وممارسته للإسلام هما الإسلام نفسه، ومن ثم شرعنة الاستبداد وتكريسه باعتبار ذلك دينا وأمرا إلهيا.

اضافة اعلان

فالمسلمون أنتجوا على مدار التاريخ فكرا سياسيا ونماذج في الحكم والإدارة تعددت في تطبيقاتها وقربها أو ابتعادها عن الإسلام وعن العدل والتقدم والتخلف والاستبداد، وكان "الإسلام" حاضرا فيها جميعا باعتباره مصدرا للفهم أو أداة لدعم الحالة القائمة، وتأثر المسلمون في ذلك بالبيئة الاجتماعية والفكرية التي تشكلت وبموجات الفلسفة والتصوف والفكر والنهضة التي هبت على العالم، وفي قيادتهم للعالم فترة طويلة من الزمن فقد أعطى المسلمون للحضارات وأخذوا منها، واقتبسوا من النماذج القائمة في السياسية والفكر والفلسفة وتأثروا بها وأضافوا إليها أيضا.

وهنا تكونت إشكالية معقدة يحتاج فهمها وتحليلها لرؤية مركبة ونسبية أيضا، ففي تطبيقهم للشريعة الإسلامية في الحكم والإدارة وسائر شؤون الحياة، لم يكن المسلمون في ذلك ينشئون "دولة إسلامية" ولكنها دولة تطبق الشريعة الإسلامية وكفى، فلا يعني تطبيق الأحكام المحددة والواضحة في الشريعة الإسلامية قيام دولة إسلامية، أو أنه يعني أن ثمة نماذج كثيرة جدا غير محدودة وغير معدودة للدولة الإسلامية، وكلها دول إسلامية، لا ينفي الإسلام عنها مخالفتها للإسلام (وقد يكون اعتبارها مخالفة فهم بشري للنصوص، وليس بالضرورة حكما نهائيا بالخروج عن الإسلام) ولا يجعلها إسلامية أنها تطبق أحكام الشريعة الإسلامية.

إن كان ثمة حكم فقهي محدد اسمه "الدولة الإسلامية"، فهو مصطلح جديد ناشئ، لم يعرفه التراث الفقهي الإسلامي، وإن شغل كثيرا وبمستويات مختلفة وطرائق متعددة ومتبانية في الحكم والسياسة، بل إن الحركة الإسلامية التي ألصق بها اليوم مفهوم "الدولة الإسلامية" باعتباره فكرتها الأساسية، لم يرد المصطلح في نصوصها التأسيسية والمرجعية، مثل القانون الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين والذي أقر عام 1948 قبل وفاة حسن البنا مؤسس الجماعة، ولم يوضع أيضا في القانون الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن.

أهمية هذه المقولة أن "الإسلامية" في النظام السياسي على الأقل هي حالة يملك أن يدعيها أي فرد أو جماعة أو دولة أو نظام سياسي، قد يكون بعضها أقرب من بعضها الآخر إلى جوهر الإسلام ومقاصده، ولكنها ليست حكما فقهيا محددا وملزما للمسلمين أو يمكن أن تدعيه دولة أو جماعة أو فئة من الناس، وتسعى في فرضه على الناس، أو تسويق نفسها على أساسه، أو تدعي بذلك شرعية تلزم الناس بها، وتصادر حقهم في الاختيار والمعارضة، أو تستند إليه في ادعاء الصواب والحق، بل إن البعض أفرادا وجماعات وحكومات استخدم هذا الشعور بالإسلامية ليبرر لنفسه الاعتداء والاستبداد وانتهاك الحرمات وارتكاب المحرمات، معززا جريمته بأسوأ منها، وهي فقدان الضمير والوازع الإنساني الذي كان على مدى التاريخ رادعا للناس عن الجرائم والمحرمات، وفقدان الشعور بالخطأ والندم بل والشعور بالصواب والارتياح أمام ارتكاب الأخطاء والمحرمات والجرائم، وهنا فإن التدين يصبح حالة خطيرة على الذات والمجتمعات والعدالة والحريات.

فالإسلام وإن كان نصا واحدا، فإنه متعدد في الفهم والتطبيق والتجارب على نحو يجعله موردا يتنافس الجميع على الاستفادة منه وتوظيفه، ولكن أحدا لا يملك أن يحتكره أو يدعي الحقيقة في فهمه واستيعابه وتطبيقه، أعتقد أن هذه الفكرة تمثل خطوة أساسية وأولى لتحرير الدين من الاستبداد والاستغلال.

[email protected]