تدوير النخب الحكومية ونزاهة الإعلام

الإعلام الذي يفتقد النزاهة ويفتقد قيم المهنية يربك الحياة العامة ويحرم المجتمع من وظيفته الحقيقية في أن يكون ناقلاً نزيهاً لكل ما يحدث

لم تختلف كثيراً طريقة تشكيل الحكومة الحالية قبل عام وثلاثة شهور والتكتم الذي أحاط بكواليسها عن ما حدث في التعديل الأخير، لم تختلف أيضاً الوجوه التي شكلت النخب الحكومية في الحالتين؛ لا في آليات التشكيل التي تشير إلى غياب أو على الأقل عدم نضوج  الحياة السياسية، ولا في نمط العلاقات التي تعيد إنتاج  النخب الحكومية وتدويرها.

اضافة اعلان

والحالة بأكملها قائمة على فرضية التوازن التي اعتمدت عليها السياسة الأردنية منذ عقود ولم تكن وليدة اليوم، والمتمثلة في التوازن الجهوي والتمثيل الديمغرافي والعلاقات القرابية والتأثيرات الخارجية.

ما حدث في التعديل الأخير، مقارنة مع الاستقبال الذي لاقته الحكومة في مطلع شتاء عام 2007، يذهب مباشرة لمفارقة واضحة في ميزان نزاهة الإعلام وبشكل واضح في آليات تكوين الاتجاهات والآراء لدى النخبة الإعلامية الأردنية، فلقد كالت تلك النخبة من المديح والإطراء على الحكومة إلى وقت قريب ما لم تنله حكومة أردنية أخرى خلال العقدين الماضيين، بل أسهم تدفق الرسائل الإعلامية باتجاه واحد وبمضمون واحد في التأثير على اتجاهات الرأي العام هذا إذا ما خلصت النوايا وسلمت المناهج العلمية، فيما جاءت به استطلاعات الرأي العام أيضا، ما رفع من حجم التوقعات الشعبية بشكل غير مسبوق.

ربما نجد من المبرر لأي مؤسسة سياسية أو أمنية في العالم في النظم الديمقراطية أو الشمولية أن يكون لها رصيدها في وسائل الإعلام، بما يوفر أدوات لتوجيه المصالح العامة من منظورها، لكن من غير المبرر وغير المقبول أن تتحول النخبة الإعلامية وتستدير (180) درجة نحو اليمين واليسار، وفق التغيير في المواقع الرسمية الكبيرة، وحسب نمط العلاقات القرابية الذي ساد في الحالة الأردنية خلال العام الماضي.

أي محاولة لتحليل كمي وكيفي للمقالات والتعليقات وحتى التغطيات الصحافية واتجاهاتها التي استقبلت الحكومة وبقيت تعاضدها خلال عام كامل وبين المضامين التي استقبلت التعديل، ستجد إلى جانب غياب الاستقلالية التي لا تزال تهيمن على المجال الإعلامي العام قضية اخطر تتلخص في غياب ابسط معايير النزاهة الإعلامية حينما يتخلى الإعلام عن دوره كناقل أمين للوقائع والأحداث وليس مجرد منافح عن قضايا لأطراف هنا، وأطراف هناك.

سوف نلاحظ خلال الشهور المتبقية من عمر الحكومة -حسب المعدلات العامة لأعمار الحكومات الأردنية- حملات إعلامية واسعة، ولن تسلم الحكومة مصيبة أو مخطئة من النقد اللاذع والتشكيك، ربما كانت هذه الحكومة أو بعض أطرافها تستحق ذلك من قبل، لكن الاتجاه الذي ساد خلال الأيام القليلة الماضية، وما يحمله من مؤشرات حول اتجاهات الإعلام خلال الفترة المقبلة يؤكد ما ذهبنا إليه سابقا، هناك ظاهرة إعلامية أخرى مزعجة هي غريزة القطيع في تكوين الاتجاهات والآراء، وفي توجيه المجتمع الإعلامي، وبالتالي الرأي العام وهي آخذة في المزيد من النمو.

من الناحية الأكاديمية الصرفة؛ ينظر إلى نظم الإعلام المقيدة وشبه المستقلة ومؤسسات التعبئة الأخرى في مرحلة الانتقال السياسي باعتبارها أدوات تمارس نمطاً من الإكراه السياسي المؤقت، الذي يخدم عملية التحول الديمقراطي ويقصر من عمرها بدلا من الاستمرار في حالة تأبيد هذا التحول إلى الأبد من دون انجازات حقيقية، بمعنى إدارة الصراع الاجتماعي سياسياً وأيديولوجيا لمصلحة ما يسمى بالغرس الثقافي للديمقراطية؛ أي تأصيلها مجتمعياً بالقيم والمعايير وتقديس التعددية، وبناء المهنية والاحتراف يتم على أساس القدرة على ممارسة الاستقلال والتعدد.

ولكن الخطر ان تتقاسم مراكز القوى والقوى السياسية والاقتصادية منابر وسائل الإعلام لتضيق المجال العام الوطني وتوجيهه نحو ردود الفعل والمواقف المعدة مسبقا.

الإعلام الذي يفتقد النزاهة ويفتقد قيم المهنية يربك الحياة العامة فوق ما تعانيه من إرباك، ويزيد من حالة الغموض وفوضى الأولويات التي يعاني منها المجتمع في علاقته مع مؤسسات الدولة، ويحرم المجتمع من وظيفته الحقيقية في أن يكون ناقلاً نزيهاً ومراقباً نزيهاً لكل ما يحدث في البيئتين الداخلية والخارجية. يفقد الإعلام دوره الحقيقي حينما يصبح طرفاً في القضايا المطروحة.

[email protected]