ترويض الوحش في داخلنا

بينما كان عبادُ الرحمن ينهون وجبة سحورهم ليلة أول من أمس ويستعدون لبدء يوم جديد من أيام شهر رمضان المبارك، كان "جار الرضا" في جبل الحسين يفرغ ست رصاصات في جسد جاره فيرديه مضرجا بدمائه نتيجة خلاف كان يمكن أن يسوّى بجلسة ويحسم بلقاء.

اضافة اعلان

لكنها النفس الأمّارة بالسوء اختارت أفظع الحلول، فأزهقت نفسا جديدة، ووشمتها بالرقم (16) الذي يشهد على عدّاد جرائم القتل التي ارتكبت خلال الشهر الحالي الذي يعد شهرا فظيعا غير مسبوق من قبل.

بيد أن الأمر ليس على هذا النحو من النظر العابر. إن ثمة خلف الدافع الذي جعل الجار يتحين فرصة السحور لقتل جاره، أسبابا  تتقاطع مع تلك التي قادت شابا إلى قتل صديقه بسبب جهاز خلوي لا يزيد ثمنه على عشرة دنانير، وهي ذاتها التي فجرت مكامن الغضب الأعمى في نفوس مرتكبي الجرائم الأربع عشرة الأخرى خلال هذا الشهر الدموي المجنون.

ولا نبالغ إذا قلنا إن ثمة خزانا مكتظا بالنزعات الدموية ما برح يغلي في أنحاء مختلفة من مجتمعنا، ويتمظهر على هيئة عراك فردي حينا، وقتل بدواعي الشرف أحيانا، فيما يتجلى، وهنا الملمح الأخطر، على شكل عنف ينخرط في أتونه أفراد وجماعات، فتضرم النيران، وتحرق المباني والمنشآت، ويتعطل القانون، ويتآكل هيكل الدولة.

ها هنا يتجلى العنف بصفته معطى للتحليل النفسي والاجتماعي الذي يشخصه على أنه "إنهاء لغة التخاطب الأخيرة الممكنة مع الواقع ومع الآخرين"، كما ينظر إليه علماء الاجتماع باعتباره "صورة من صور القوة المبذولة على نحو غير قانوني، بهدف إخضاع طرف لإرادة طرف آخر".

وليس بمقدور أي مجتمع أن يبقى صامتا يعد الجرائم التي تضرم نيران القلق بين ظهرانيه. إنه إن فعل ذلك سيبدو مجتمعا مخدرا لا قوى فيه تعلق الجرس أو تدق جدران الخزان، فما يجري في الأردن هو بروز نمط غير مسبوق من التآكل الشديد في المفاهيم على اختلافها واتساعها، وهذا ما يتعين أن يحفز المختصين والخبراء والمؤسسات الأكاديمية على أن تهبّ لمعاينة هذه التحولات ومقاربة أسبابها ونتائجها.

وفي ظني أن شلال الدم الذي نزفته أجساد الضحايا، (وبعضهم بريء لا حول له ولا قوة)، يشي في بعض أوجهه بصعود الروح السادية الكابتة في الفرد، فضلا عن كون هذا العنف الذي يمارس أحيانا بدم بارد، إنما هو نتاج "مأزق علائقي"، بحيث يطاول التدمير ذات الشخص (المرتكب للعنف) في الوقت نفسه الذي ينقضّ فيه على الآخر لإبادته وإفنائه.

ولعل علماء نفس عديدين يرون في مثل هذه العدوانية نمطا من أنماط تصدع الشخصية الذي يفضي إلى سلوك يعبر عن نفسه بأشكال من الإحباط مصحوبة بعلامات التوتر، فضلا عن كونها تنطوي على نية سيئة لإلحاق ضرر مادي ومعنوي بكائن حي، أو بديل عن كائن حي: مبان، مزارع، منازل، محطات وقود، حافلات،...إلخ.

ويربض في قاع هذه النفوس التي تمارس العنف سواء في المنزل أو الشارع أو الجامعة أو العمل، إحساس غائر بالقهر النفسي الذي يتغذى من متوالية القهر الاجتماعي والأزمات الاقتصادية التي تعبر عن نفسها من خلال الشعور بعدم المساواة، والنبذ الاجتماعي، واغتصاب الحقوق، واختلال البناء الهرمي لمنظومة الامتيازات، وعدم العدالة في بعض المواقف الإدارية والتربوية والقانونية.

إن العنف يجد في هكذا بيئة مناخا مثاليا لإنتاج عناصرالعدوان الفردي والانفجار الاجتماعي.

 بالطبع لسنا كلنا براميل بارود تتدحرج في الشوارع، لكنّ في داخل كل واحد منا استعدادا لإطلاق العنان لقواه الشريرة إن أجبر أو اضطرته الظروف القاهرة إلى ذلك. لذا علينا أن نروض وحوشنا ونسيطر على نزعاتها المدمرة، وفي المقابل تربية الأمل وتوسيع مساحة السلام الروحي، والانتساب إلى فضاء الإنسان المتمدن بصفته حقل معرفة مزهر بالأحلام والرؤى الخلاقة.

[email protected]