تسونامي عندنا.. والتلفزيون الأردني في اليابان

من شاهد منكم ميكروفون التلفزيون الأردني وهو ملقى على الأرض قبل أيام؟ أنا شاهدته، وهزني المشهد بكل ما يحمل من رمزية شديدة العمق ومعانٍ أوقع من رمي ميكروفون لقناةٍ تلفزيونية في مؤتمرٍ صحافي وطرد فريقها.. بكل ما تحمله الصورة من وجع وقهر لمن حمل هذا الميكروفون وجال به أقاصي الدنيا، وفتح أبواباً مغلقة، وتَحَاور مع بشر لم يعلم عنهم أحدٌ من قبل، وتلازم مع الحقيقة كصمام أمان للنجاح، ولكي يبقى التاج الذي يعتلي الميكروفون والشاشة أساس الحب، ولكي تبقى شاشة عمان منبر الجميع وبيت كل الآراء والأفكار والتوجهات، ومسرح الحوار الحقيقي بين الفرقاء بعيداً عن غرف الحوار وقاعات اللملمة الهشة لأطراف حوار.

اضافة اعلان

ميكروفون التلفزيون الأردني على الأرض ليقول لنا الآن كم هو الهوان الذي أوصله رعاةُ الإعلام الرسمي في بلدنا وهواة التجريب ومدعي الموهبة لحال الشاشة التي كانت يوماً مثار حسدٍ من القريب والغريب لنا، وتعرضت للتشويش مراراً قبل سنوات طويلة من تشويشات الجزيرة من غير مكان.

صدور الأردنيين الذين مايزالون على عهدهم وحبهم الأول للتلفزيون الأردني، ما عادت تتحمل هذا التضليل والغياب والضعف في اطار تغييبٍ أوسع للإعلام الرسمي برمته عن ملامسة قضايا الناس والبلد.

أهذا هو "النهوض" الذي جاء واضحاً جلياً قاطعاً في رسالة جلالة الملك إلى رئيس الوزراء بخصوص تطوير الإعلام الوطني والارتقاء به؟

عند أول مطب بدا ذلك "النهوض" المنشود من الملك ومن كل مواطن أردني مايزال على حبه للتلفزيون أو لبقاياه، كارثة بكل المعاني. فقد قرّر من يُخطط للميكروفون ألا تقوم له قائمة بعد اليوم، تاركين الفضاء واسعاً فسيحاً أمام ميكروفونات أخرى تقول ما تشاء، وقتما تشاء، وبالكيفية التي تشاء!

عند أول مطب كان ميكروفوننا الرسمي يناكف ويتصدى ويزاحم بين أصواتٍ وعيونٍ أخرى رأت وتعاملت بمهنية وصدقية، ثم تراجع ليمارس أحد أدوار الإعلام الرسمي التي رأينا نتائجها المُعيبة في عواصم أخرى.

مانزال نمارس الاعتقاد بأن "قنال 3" مايزال بيننا.. الوحيد الآمر الناهي.. المُقنع المُضحك المُبكي، القادر على منح الجرعة المسائية الخالصة لأبناء الوطن ليخلدوا إلى فراشهم وهم مطمئنون بأن الدنيا "ربيع وقمر".

تناسوا أن الدنيا تغيرت. وباتت أخبارنا تبث على شاشات غيرنا، فيما شاشتنا وفي السبات ذاته مطمئنة هي أيضاً أن الدنيا "ربيع وقمر"، وأن المهنية والحرفية توقفت هنا، فلا داعي للتغيير.

ليست الأجهزة ولا التقنيات، لكنها حتماً الرؤى القاصرة عن التغيير، والتوجهات المبتورة والإرادة الرهينة للتدخلات والإملاءات من كل صوب وحدب.

بقينا طوال الشهور القليلة الماضية نُزاود على الإعلام المتخلف عربياً، وعلى الخطاب الرسمي الكوميدي الذي كان يستغرب ويستنكر ويدحض ويستهزئ، ويُهدد ويتوعد، ويُعَري الذمم ويرمي التُهم.. حتى جاء دورنا لنثبت للأسف أننا لم نستلهم من الدروس البسيطة العِبَر، بل لعلنا تفوقنا على الجميع في درس: كيف تُضَحِك الناس عليك!

نحن أنفسنا سخرنا من مفردات العصور البائدة، واستغربنا لغباء الروايات الرسمية المسكونة بأرواح إذاعات الستينيات من القرن الماضي عندما سمعناها عند غيرنا، ثم عدنا لنسمعها هنا وعلى الشاشة التي مر عليها الكثير مما نفخر به ونعتز.

الميكروفون عزيز علينا تماماً كالتلفزيون والزملاء القابعين في مكاتبه وممراته من دون أن يمنحوا فرصة التغيير من دون إملاء أو ممالأة، فيما غيرهم ممن يختبئ وراء اتصال أو توصية.. في المقدمة.

أعرف أن المشهد أوجع العزيزة بيان وزملاء عرفوا كيف يحمون الميكروفون، لكن الوجع من الخارج أكثر إيلاما ووقعاً.. فالرؤية أوضح.

آلم جلالة الملك وضع الفنان الأردني وما آلت إليه الدراما الأردنية التي شُيعت مؤخراً على يد أصحابها المقهورين المحبوسين هم وموهبتهم وعطاءهم في أقفاص الرتابة والجهل ونفض اليد.. أليس هذا حريّا بأن يكون أولوية في إعادة إحياء إعلامنا وشاشتنا وفننا؟

[email protected]