تسييس الإدارة العامة

حافظت الإدارة العامة الأردنية، بمستويات متقدمة، على الابتعاد عن الاشتباك السياسي المحلي بمختلف درجاته الصراعية والتعاونية، حتى إن القوانين، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، كفلت الفصل بين الإدارة العامة وممارسة السياسة في المجال العام. وهناك، أيضا، فصل دقيق بين صناعة السياسة العامة وبين الإدارة العامة في بعض مستوياتها. اضافة اعلان
في الفترة الأخيرة، تكرر قيام قيادات في الإدارة العامة بالتعبير عن مواقف سياسية في قضايا جدلية. والأكثر حيرة هو حينما تعبر تلك المواقف عن استفزاز مباشر للرأي العام.
وجهة النظر الأخرى تقول إنه طالما أن المطلوب من الشخصية العامة العاملة تحمّل النقد المباح من وسائل الإعلام ومن الرأي العام، كون هذه الشخصية قبلت احتلال موقع عام، فإنه من حق صاحب هذه الشخصية أن يعبّر عن مواقفه السياسية، وأن يدخل في اشتباك مع القضايا الخلافية، وأن يدافع عن برنامج الحكومة السياسي والاقتصادي وعن مواقفها في إدارة السياسة اليومية. وقد تكون وجهة النظر هذه صائبة تماما في تعامل النخبة السياسية العليا، لكن هناك محاذير واضحة ومحسومة في الكثير من المجتمعات، حينما يصل الأمر إلى الإدارة العامة التنفيذية التي يجب أن تكون مستقلة عن الصراع السياسي. وعلى سبيل المثال، هناك وظائف محدودة في الإدارة الفيدرالية الأميركية التي يحق للحزب الفائز تغييرها بعد الانتخابات، بينما هناك مستويات أخرى من الإدارة العامة تتجاوز البرامج السياسية، ويجب أن تحافظ على استقلاليتها وحيادها.
لقد حافظت الإدارة العامة الأردنية، على مدى عقود طويلة، على وقارها وشكلها الاجتماعي، ما منحها المزيد من القوة، ونسج علاقات متينة مع الرأي العام. ولم يهتز هذا الوقار إلا في سنوات تراجع الثقة العامة، بفعل اهتزاز مكانة القانون في ممارسات الدولة وفي نظر المجتمع.
زج الإدارة العامة في السياسة اليومية، وتحديدا في مواجهة الرأي العام، تسهم في تهشيم الخطوات الإصلاحية التي أجريت في آخر عامين.
الإدارة العامة هي التي أسست الدولة. والأخيرة كانت لها اليد الطولى في تكوين هذا المجتمع، والسوق أحد عناصره. وستبقى كل منجزات الدولة، بما فيها السوق، في مهب الريح، إذا تمدد أحد هذه العناصر فوق العناصر الأخرى. التوازن هو الأساس. وكما يقال في الديمقراطيات، فإننا بحاجة في كل تصرف لأن نفحص ونوازن ليس العلاقة بين السلطات، بل أيضا علاقة كل سلطة مع الرأي العام.
علينا أن ندير عقارب التفكير السياسي نحو السياسة المحلية، أي دمج الناس في السياسات العامة، وتوسيع قاعدة الحوار حول الخيارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية المرتبطة بالحياة اليومية للناس وبمصالحهم. وهذا هو الدور التنفيذي للإدارة العامة، لا أن تتحول النخب في الإدارة العامة إلى أدوات استفزاز للرأي العام، وخلق أجندات صراعية جديدة، لأن الحكومات ونخبها السياسية تذهب وتتغير، فيما الإدارة العامة وهياكلها تبقى.