تضييق دائرة المباح

آخر الأخبار عن الداعية وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً يوسف الأحمد حديثه المسجّل الذي أثار جدلا قبل أيام حول هدم الكعبة وإعادة بنائها لمنع الاختلاط، أنه تراجع عن مسألة الهدم قائلا إن ما طالب به في الحقيقة هو توسعة المطاف وليس الهدم. لكنّ عِلّة الدعوة بقيتْ كما هي وهو منع الاختلاط، على الرغم من أن طواف الرجال والنساء حول الكعبة المشرّفة كان قائما منذ زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يتجه لمنعه أو تحريمه. وهذا يفتح الحوار حول مسألة مهمة للغاية وهي دائرة المباح والمحرّم.

ولعلّ أفضل ما قرأتُ في معالجة ومقاربة هذه القضية ما كتبه المستشار المصري عبد الجواد ياسين، وفي الأسطر القليلة سأحاول تلخيص وجهة نظره في ذلك.

فقد كان لاختلاط التاريخ بالنصوص واختلاط الفقه بالشريعة، أثر كبير في أن العقل الجمعي المسلم شكّله التاريخ أكثر مما صاغه النص الخالص، ما جعل هذا العقل بالدرجة الأولى عقلا فقهيا تربّى بصفة أساسية على يد المنظومة الفقهية المتوارثة منذ عصر التدوين، ما حدا بالبعض إلى وصف الحضارة الإسلامية في مجموعها بأنها حضارة "فقه" في مقابل ما توصف به الحضارة اليونانية بأنها حضارة "عقل" والحضارة الغربية المعاصرة بأنها حضارة "علم وتقنية".

وإذا كانت النصوص تُلزِم فإن التاريخ لا يُلزم، ومن هنا التساؤل عن أيّ إسلام ندافع: إسلام الوحي المبني على النص الخالص حيث تتسع دائرة المباح، وتتقلص دائرة الإلزام، ويرتفع سقف التكاليف فوق فضاء واسع من الحرية واحترام العقل الإنساني، من دون أنْ ينقص ذلك من حرارة الإيمان؟ أم هو إسلام الفقه الذي تقدمه المنظومة السلفية مبنيا على التاريخ حيث تنقبض دائرة المباح، وتتسع دائرة الإلزام، ويتسع التوجس من العقل والحرية، من دون أن يزيد ذلك من حرارة الإيمان شيئا؟. فإذا أفتى فقيه في العصور الغابرة بوجوب أنْ تضع المرأة الجميلة الخمار على وجهها درءاً للفتنة، فما الذي يلزمني بذلك القول، وأنا المسلم الذي يرى في هذه الفتوى احتجاجا على بديع صنع الله تعالى، الذي بثّ الجمال في الوردة والنجوم والبحر والغزال والفراشة وقبل ذلك وبعده في بني البشر، وهو ما فهمه النبي الكريم حين جعل سفراءه من أكثر الصحابة جمالا وقبولا.

إن توسيع دائرة المباح، وليس دائرة الإلزام، كما يبيّن عبد الجواد ياسين، من أهم مقصودات الشريعة، بل كانت دائرة المباح عرضة للتقليص والتعدي عليها حتى في عصر الرسالة. ومن يقرأ بعض الأحاديث النبوية الشريفة سيخرج بهذه النتيجة. ومن ذلك قوله عليه السلام:اضافة اعلان
" ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء فدعوه". وكذلك قوله عليه السلام:"إنّ أعظم المسلمين في المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرّم عليهم، فحرّم من أجل مسألته". وكذلك قول النبي الكريم:"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وعفا عن أشياء رحمة بكم لا نسيان فلا تبحثوا عنها".

والعقلية الفقهية، التي ليست بالضرورة المعبّر الأمثل عن جمال الإسلام، قلّصت دائرة المباح، وعكفتْ على النصوص تملؤها بتراكمات من الأحكام، التي تعادل من الناحية الموضوعية طريقة "كثرة السؤال" التي استهجنها الإسلام. وعندما تمّ تدوين الأحكام الفقهية، وضِعتْ جنبا إلى جنب "النص الخالص" واكتسبت مع الصيرورة التاريخية وبسبب من هذا الجوار، قبساً من إلزامية "النص الخالص"، وأصبحت مرجعية شبه مستقلة، وما هي في الحقيقة سوى وجهة نظر في النص، ولا تكتسب بأي حال من الأحوال أبدية الإلزام، أو قداسة عدم النظر فيها ونقدها وتقديم البديل عنها.

[email protected]