تقليص القطاع العام وليس فرض الضرائب

الخيار الذي لجأت اليه الحكومة لحل مشكلتها المالية عبر رفع الضريبة الخاصة على البنزين يحمل اعتبارين مهمين ، الاول ان الحكومة تمارس التجارة حين تبيع المستهلكين نفطا تستورده باسعار تختلف عن تلك التي تشتري بها من الخارج وهي ذاتها التي اصبحت بعد رفع الضريبة الخاصة بنسب تصل الى 24 % تبحث عن مصلحة تمويل خزينتها.

فالضريبة المرتفعة على المحروقات تعني اموالا اكثر كلما كان السعر مرتفعا، اما الاعتبار الثاني وهو اكثر خطورة، فيكمن في ان التجارب السابقة لرفع اسعار المحروقات لا سيما بعد رفع الضريبة عليها يتسبب في ارتفاع سلة واسعة من السلع والخدمات الأخرى بسبب الترابط بين سعر هذه السلعة الاستراتيجية وباقي اسعار السلع والخدمات، وهو ما يجعل الفقراء يدفعون ثمن ارتفاعها!

الامر ليس كذلك بالنسبة للضريبة الخاصة على الاتصالات التي ارتفعت الى 12 %، فثمة مبالغة في استخدام وسائل الاتصال احيانا لغايات شكلية ولا تعبر بالأساس عن أولويات ملحة لدى كثير من مستخدمي تلك الاتصالات.

وبعيدا عما سبق، فإن الأزمة بالأساس تمس الرؤية الاستراتيجية لشكل الدولة بمجمله وحجم قطاعاته وليست مالية كما يعتقد كثيرون، والسؤال هنا: لماذا الاصرار على بقاء القطاع العام كبيرا جدا نسبة الى الاقتصاد المحلي؟ وهل ارتفاع حجم الانفاق في هذا القطاع الى 55 % من اجمالي حجم الاقتصاد يشكل حجر الزاوية في الازمة الراهنة، ام ماذا؟

الحكومة تصر على بقاء القطاع العام كبيرا، رغم انها تعلم يقينا أن لا تطور ولا تقدم على مستوى الاقتصاد الا بتقليص حجم الحكومة والقطاع العام الى ادنى مستوى، وذلك كما فعلت دول اوروبية وغربية وآسيوية كثيرة، واذا استمر هذا الاصرار لدينا، فقد يأتي يوم يكون فيه القطاع العام مسيطرا بإنفاقه على نحو 80 % من الاقتصاد وهو ما يهدد بسلسلة ازمات اقتصادية وقعت في أتونها دول اشتراكية تخلصت من اشتراكيتها خلال السنوات الاخيرة.

ومن الطبيعي ان يتفاقم العجز في الميزانية من وقت لآخر، فالإنفاق كبير وحجمه لا يتناسب وقدرات الاقتصاد الاردني، والمطلوب لتجاوز هذا التشوه المتراكم أن يتم تقليص حجم القطاع العام عبر خصخصة ما تبقى منه، لتعزيز تنافسية القطاعات الاقتصادية من جهة، ولتخفيض حجم الحكومة ومؤسساتها من جهة ثانية، والمسألة بسيطة للغاية فحكومة صغيرة تعني عجزا اقل، ويجب ان يترافق مع ذلك إعادة دراسة هيكل الضرائب في البلاد الذي يعد مرتفعا كيفما نظرت اليه، ولعل ضريبة المبيعات لدينا (16 %) تقع ضمن قائمة الضرائب المرتفعة مقارنة بمثيلاتها في العالم.

اضافة اعلان

بعد ان دخلت المملكة في خطوات حقيقية خلال عشرين عاما مضت نحو اعادة بناء الاقتصاد وفق ادوات السوق المفتوحة والحرية الاقتصادية وما تبعها من خصخصة وإطلاق يد القطاع الخاص، فإن المأمول للحفاظ على هذا الانفتاح ان لا يبقى القطاع العام متضخما وخاصرة ضعيفة في بنيان الدولة.