توقيع أبي











كما يفعل أكثر الأولاد، أحببت في سن العاشرة تقريباً أن أقلّد والدي في أن يكون لي "توقيع" خاص بي. هكذا استندت على توقيع أبي لـ"ابتكار" التوقيع الخاص بي، مستعملاً فكرته نفسها القائمة على خطوط منحنية، مع إدخال تعديل يسمح باستعمال حروف اسمي الأول في هذا التوقيع. ومع مرور السنين، حافظت على استعمال التوقيع نفسه. وكلما وضعت توقيعي على ورقة، تذكرت أنه مشتق من تقليد الولد لوالده.اضافة اعلان
يقولون إن التوقيع يعكس شخصية المرء؛ فاستعمال الخطوط المنحنية فيه يدل على شخصية مرنة، وربما براغماتية، فيما أن استعمال الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة يدل على شخصية حديّة لا تقبل الحلول الوسط. في الحقيقة، لطالما شعرت أن توقيعي القائم على خطوط منحنية لا يمثلني تماماً! وكثيراً ما حوّلت انحناءاته إلى زوايا حادة حين أكون متوتراً أو متضايقاً، ثم أعود إلى استعمال منحنياته كما هي في توقيع أبي، حين أكون مرتاحاً مدركاً لما تقتضيه الحياة من وسطية ودبلوماسية وتفاوض مع مجرياتها! وما أدركه اليوم، وقد جاوزت الأربعين، أن طريقة والدي الذي كان في مثل سني اليوم حين قلّدت توقيعه قبل نحو ثلاثين سنة، هي الأفضل تجاه هذه الحياة القائمة على النقص واستحالة الكمال، والمستوجبة "تدوير الزوايا" بالضرورة.
أسوق هذه المقدمة، لألقي ضوءاً على مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم في شأن علاقتهم بالحياة، فلعلها هي ما يخلص إلى توتر المجتمع أو سلامه؛ إلى تعايشه أو عنفه؛ ثم إلى تحضّره أو همجيته، بشكل يفوق ما لدور الأم أو المدرسة أو الأصدقاء. فليس سوى الأب من يكون للولد ملهماً ومرشداً وقائداً ومعيناً، وهو يشق طريقه إلى الحياة فرداً مستقلاً مُعتَرَفاً بكيانه.
إذا كانت الحال كذلك، فمن الطبيعي أن يلفت الانتباه ما يجري لشبابنا اليوم، في الجامعات، من لجوء إلى العنف بين حين وآخر، لحل مشكلاتهم وخلافاتهم، عوضاً عن حلّها بالرأي والتفاوض والحلول الوسط. لم يفعل الجيل السابق مثل هذا وقد كان أفراده أبناءً لرجال غير متعلمين لكنهم يفهمون الحياة، فلماذا يفعل هذا الجيل ذلك، وأفراده أبناء لرجال متعلمين أتيح لهم أن يطوفوا الدنيا؟ ثم ماذا سيفعل أبناء الجيل التالي الذين هم في سن الطفولة اليوم، وآباؤهم أكثر تعليماً أكاديمياً، وأكثر اطّلاعاً على الحياة بفضل التكنولوجيا ووسائل الاتصالات. أليس في الأمر غرابة؟!
ثمة مسؤولية مشتركة طبعاً تجاه ما يجري للشباب اليوم، تتورط فيها مناهج التعليم والمنظومة القانونية والمفاهيم المجتمعية. لكن مسؤولية الآباء هي الأكبر من دون شك. إذ ليس معقولاً أن يقترف الشاب العنف على أساس العصبيات، ما لم يكن والده قد شجعه على ذلك وهو طفل وفتى يافع؛ وليس معقولاً أن شاباً متوازناً يتفاعل مع مجتمعه بإيجابية، يفعل ذلك من دون إرث معنوي إيجابي من والده. فانتبهوا لأولادكم أيها الآباء!
وأنقل -أخيراً- أفكاراً تربوية عن علاقة الأب بولده، يقول فيها متخصصون إنها يجب أن تقوم على قاعدة "العدل" لا "القوة"؛ فيتعامل الأب مع ابنه لا من زاوية أنه الأقوى الذي يحق له أن يفرض وجهة نظره، بل على أساس الاحترام والحفاظ على مكانة الولد، سواء في تلك العلاقة الثنائية أو أمام العائلة والأقران. إذ حتى لو كان الأب في نظر ولده مصدراً للقوة، فهو إنما ينتظر منه استخدام قوته تلك بطريقة عادلة ومحترمة ومفهومة، حتى يكون بالنسبة له مصدراً للأمان، لا الخوف.
كم هي خطيرة مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم، في ظرفنا الحضاري الخطير هذا؛ وكم يحتاج آباء اليوم تثقيفاً وتوعية رغم تعليمهم وسعة اطّلاعهم! شكراً لأبي، ولكل الآباء من جيله.