ثراء شعبي

لقضية شركات استثمار الاموال التي نعيشها هذه الايام جوانب اخرى غير الجوانب القانونية التي اصبحت بيد القضاء. ومن هذه الجوانب تلك الارقام الكبيرة من الملايين التي اودعها المواطنون في هذه الشركات لغايات التشغيل، وهي اموال فائضة عن حاجة مودعيها، وليست مصروفهم ومصروف ابنائهم.

اضافة اعلان

لنتخيل مثلاً حجم هذه الأرقام من خبر نشرته صحيفة الغد قبل أيام عن المبالغ التي اودعها الناس في محافظة اربد، وكانت 250 مليون دينار اردني. والخبر يقول انها كانت ستزيد لولا اعلان الحكومة وقف الايداع، وحين نتحدث عن ربع بليون دينار في اربد او حتى ما حولها فإننا نتحدث عن مبلغ كبير قياسا لحجم المجتمع الاردني ومستوى الدخل والتركيبة الاقتصادية للمجتمع الاردني، وايضا قياسا الى المستوى العالي من التذمر والشكوى التي يمارسها الناس.

وحتى لو جاءت هذه المبالغ من بيع الناس لذهب نسائهم، او بيع اراضيهم او اخراج المدخرات التي يدخرونها بكفاءة عالية تفوق كفاءة الحكومات في تخزين اموال بيع الاصول من المقدرات الوطنية. حتى لو كان الأمر كذلك فإن لدى الناس في محافظة او منطقة قدرة على تقديم ربع بليون من الدنانير للاستثمار والعمل التجاري، والامر ليس خاصا بمحافظة اربد او مناطق الشمال، بل بكل المناطق. ولو فتحنا ملفات الشركات في عمان والزرقاء والكرك وبقية المحافظات لوجدنا ايضا مئات الملايين من الدنانير تم قذفها الى هذه الشركات تعمل بها في اسواق البورصة العالمية او اسواق النفط او العملات اوغيرها من المجالات التي لا نعلمها.

من اودعوا مئات الملايين ليسوا رجال الاعمال ورجالات الطبقة الثرية، بل من الموظفين والمزارعين والمتقاعدين وصغار الكسبة، اي عامة الناس. فهل هذا يعني ان هناك ذخيرة او خميرة لدى نسبة من الناس، الطبقة المتوسطة والفقيرة، تم استدراجها تحت وهم الارباح الخيالية لتتحول الى سيولة ومئات الملايين عملت فيها هذه الشركات، وكسبت الملايين، وقدمت ارباحا غير منطقية لعملائها، كانت بمثابة حملة اعلانات لاستدراج كل من لديه ما يخفيه ليجعله على السطح.

من الناس من يمكنه بمهارة ان يخفي النعمة، وأن يمارس الشكوى واقناع من حوله ان كأس الشاي التي يقدمها الشخص لضيفه جاءت من دَين او من احدى (كراتين المساعدات)، لكن هذه الحادثة الكبرى ستكشف المستور. فالشخص قد لا يتحدث عن أرباحه من هذه الشركات او عن المبلغ الذي أودعه، لكن عندما يكون الامر متعلقا بخسارة وضياع المخزون الاستراتيجي فسيتحدث الناس بطلاقة عن خسائرهم.

ما نتحدث عنه لا يعني اننا تجاوزنا وجود فئات فقيرة تعاني من الظروف الاقتصادية. لكننا نشير فقط الى وجود ذخيرة ومخزون واموال حتى من فئات لا تنفق كما ينفق الاثرياء واصحاب الاموال. لكن لا ننسى ان من بين المواطنين من دفع مبالغ قليلة من عدة آلاف، لكن الصورة الشاملة تقول ان هناك  مئات الملايين خرجت من عامة الناس عندما وجدت الساحر او الحاوي الذي يخرجها من مخابئها.

جانب آخر كشفته القضية، وهو ان الناس من السهل استدراجها الى شركات غير مضمونة المسار وتفاصيل العمل والمستقبل. وبرغم التجارب المريرة، التي شهدتها مجتمعات عربية من قضايا مشابهة، الا ان الناس تعاملت بفرح وكأنها تحت التنويم المغناطيسي، ومارست هذه الشركات ذكاء شديدا في استقطاب بعض الأسماء، لكن السلاح الأساسي كان الربح الكبير، غير المنطقي، لكن الناس فرحت بالأرباح، ولم تفكر برأس المال الذي تحاول الآن استرجاعه بعد أن انكشف الطابق.

[email protected]