ثقافة الإفلات من العقاب

 

مع الحذر من الوقوع في المبالغة في التفاؤل، فالحقيقة أنه أياً ما كانت آفاق تقرير جولدستون ومستقبله، بعدما أقره مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الجمعة، فإن أهم ما جاء فيه أنه لا يجب الاستمرار في تغذية "ثقافة الإفلات من العقاب" في هذه المنطقة من العالم، وهي ثقافة تتسيّدها إسرائيل، وتشكّل أحد أهم روافد تغذية التطرف والتشدد السياسي والفكري في منطقتنا. وإقرار التقرير صفعة دولية بوجه الصلف الإسرائيلي. ومنذ مجيء حكومة المستوطنين بقيادة نيتنياهو ـ ليبرمان، لا تعدم هذه الحكومة اليمينية الصفعات من الأصدقاء والحلفاء والشركاء قبل الخصوم والأعداء. والصفاقة والتشدد الإسرائيليين في مواضيع الاستيطان والمسجد الأقصى ومدينة القدس والمفاوضات، والوقوف بوجه أميركا والعرب والعالم... لا تدعو إلى نافذة تفاؤل. والأردن من جانبه لا يضلل أي مراقب لكي يستنتج أن أمن الأردن يرتبط جوهريا بحل المسألة الفلسطينية حلا عادلا، وأن معاهدة وادي عربة الموقعة عام 1994 بين إسرائيل والأردن تستنفد أغراضها، وتغدو عبئاً على الأردن إنْ لم يكن إقامة دولة فلسطينية مستقلة إمكانية تسعى الأطراف الإقليمية والدولية على إقناع إسرائيل بالعمل على تحقيقها عبر التفاوض مع الفلسطينيين وعبر جدول زمني محدد وقصير المدى.

اضافة اعلان

 إسرائيل عبر تعنتها وعجرفتها واستمرار احتلالها تهزأ بحلفائها وأصدقائها وشركائها، وتمعن في حشرهم في الزاوية، وإظهارهم ضعفاء وحيرى ومتخاذلين، لاحول لهم أمام غطرستها واستهتارها باعتدالهم ودعواتهم للسلام. إنها لاتكتفي باستضعاف أوباما، بل هي تدفع تركيا لأنْ تغادر مواقعها ومواقفها لتنضم إلى ركب "الممانعين"، وتدفع الأردن الرسمي ليكون في أضعف حجة وهو يدافع عن معاهدة وادي عربة. إسرائيل تواجه حلفاءها وأصدقاءها قبل أعدائها، وبتعنتها تغرق في استبداد  الدولة وإرهابها والضيق بالنقد والاختلاف والرأي الآخر. أليس هذا ما حدث في موقفها من الخارجية السويدية التي رفضت إدانة تقرير نشرته صحيفة سويدية قبل أسابيع تحدث عن متاجرة إسرائيلية بأعضاء أسرى فلسطينيين؟ أليس هذا ما حدث مع النرويج التي سحبت حصتها من شركة إسرائيلية احتجاجا على قيام تلك الشركة بتزويد الجدار الإسرائيلي العازل بأجهزة مراقبة؟.

 التصويت لصالح إقرار التقرير جاء من دول عربية وإسلامية ودول أخرى في أوروبا الشرقية وفي أميركا اللاتينية وغيرها تستحق الشكر، وتسترعي التأمل، ما يعني أن التقرير انتصار للضحية الفلسطينية على الجلاد الإسرائيلي، وما قيل عن مساواته بينهما ليس دقيقا وهو في غير محله. ثم إن هذه النتيجة ليست النهاية بل بداية بذل مزيد من الجهود الدبلوماسية لضمان وصوله  إلى مجلس الأمن ومن ثم إلى محكمة الجنايات الدولية، رغم ضعف احتمالية ذلك في ظل الفيتو الأميركي المتوقع.

نتيجة التصويت فرصة جديدة للمصالحة الفلسطينية وليس أداة لتسجيل النقاط وتبادل الاتهامات، ففي غياب تلك المصالحة الكل خاسر، وسيفقد التقرير الجهود المطلوبة لتفعيله وجعله يأتي بنتائج على الأرض. والتقرير أيضا فرصة  للدبلوماسية العربية لتوسيع مروحة الخيارات والبدائل، والمهم ألا يغيب الهدف وهو ضمان المصالح العربية عبر جهد سياسي وإعلامي مدروس وصبور يرفع الأكلاف على حكومة المستوطنين ويعزلها ويحاول أن يجعل احتلالها مكلفا لها على المستوى الخارجي، ويسجل في المحصلة انتصارا لثقافة "عدم الإفلات من العقاب" على الجرائم ضد الإنسانية.