ثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الموت

في الثقافة الشائعة جرى اعتبار "الموت شهيداً" كما لو أنَّه منية المتمنّي، وأن الصغار يجب أن يكونوا "شهداء" في مرحلة من أعمارهم، وإلا فإنَّ ثمة نقصاً ما في وطنيتهم !اضافة اعلان
على الأقل كان ينبغي أن يكون لك قريب شهيد من الدرجة الأولى، لتتصرف بين أقرانك بثقة، وتتحدث في الشأن الوطني العام كشخص موثوق ويؤخذ على محمل الجد !
بالتأكيد تضافرت عناصر كثيرة لا تعَدّْ ، على صناعة هذه المكانة/ الأسطورة، على رأسها الدين وقداسة مشروع التحرر الوطني، وهما شأنان غير قابلين للنقاش، فانسحب هذا على كل ما نتج عنهما.
لا أقصد هنا التعدّي على الموروث المقدَّس، ولا نقضه، ولا حتَّى التقليل من شأنه، لكنَّه من المهم التوقف عند فكرة "تبجيل الموت" الى هذا الحدّ، والانتباه الى تبجيل الحياة قليلاً !
 لا أحد ضد، او يمكن ان يكون ضد، تقديس الشهادة والشهداء، لكنَّ من المهم الانتباه أن لا يجري تلقينها للأطفال والفتيان على أنها طموح يلي الحصول على الثانوية العامة أو حتى قبلها !
وعلى أبنائنا أن يفهموا أن آباءنا واشقاءنا حين ذهبوا للموت طوعاً فعلوا ذلك لأنهم يجلّون الحياة، ومغرمون بها، وماتوا دفاعاً عن حصّتهم وحصّتنا فيها، وليس لأنهم مغرمون بالموت، أو زاهدون في العيش كباقي الكائنات !
وعليهم أيضاً أن يفهموا أن الخطاب السطحي المقيت الذي يروّج أننا ( طُلَّاب موت ) هو خطاب غبي، وعقيم، ولا يمتُّ لقضايانا او ديننا أو وطنيتنا بصلة، فنحن نموت إن متنا لأنَّنا ( طلَّابُ حياة )، وأنَّنا نضع " الشهيد" في مكانة هائلة التقديس لكننا لا نرمي به للموت مجّانا وكيفما اتفق، فسواء الدين أو الوطن كلاهما وضع ظرفاً وشروطاً لكي "يتوجَّب" القتال، بل إنَّه أضاف ( وهو كرهٌ لكم ).
أخوض في هذا المخاض الشائك، لأنَّ هذه الثقافة لم تعد قصراً على الفلسطينيين، وصارت تنتشر في الوطن العربي بشكل خطرٍ ومبالغ فيه، فالكلُّ يروّج للشهادة كما لو أن هذه الشعوب المسكينة لا تصلح للحياة، وكأنما الموت خلاص شخصي سريع، وفوق ذلك معه "مكافأة" مجزية !
ورغم احترامي الهائل، والكبير، للدين، والوطن، والشهداء، كنتُ غالباً ما استخدم في كتاباتي مفردة "قتلانا"، لسبب أن كلمة "قتلى" تظلُّ تشعرني بالظلم والجريمة التي وقعت على "قتلاي"، وتظلُّ تذكّرني بثأري، وأنَّ ثمة قاتلاً ما وراء الموت الذي حدث، أما مفردة "شهدائنا" فتوحي لي بأن "قتلاي" قد كوفئوا بالمكانة الجليلة والأجر العظيم وانتهى الأمر، وأن ثمّة من اقتصَّ لي وأجزل لي في التعويض !
وأنا هنا أتحدث عن الكتابة الأدبية، ولا أتحدث عن نشرات الأخبار، حيث التنويه ضروريٌ هنا؛ لأنَّ التعامل مع المقدَّس في حياتنا جعلنا دائماً موضع ( توضيح وتنويه وتفسير) !
الموت لأجل قضية مقدَّسة موتٌ يستحق الاحترام، هذا ليس قابلاً للنقاش، فكيف إن كان لأجل الوطن، لكنَّ ما يجب إفهامه لأبنائنا أن مشروعنا هو الحياة، وأننا نقاتل من أجل الحصول عليها، وأن عبارة "يحبون الحياة" ليست شتيمة بذيئة كما يروّج الظلاميون وسكّان العتمة، وأنَّنا نموت حين نموت دفاعاً عن الحياة وليس رغبة أو شغفاً بالموت، وأننا حين نجلُّ الشهيد ونسكنه هذه المكانة العلياء من روحنا فلأنَّه مات يدافع عن حصَّتي وحصَّتك في الحياة !