ثلاثون عاماً على الإصلاحات الصينيّة

قبل ثلاثين عاماً ابتدأت في الصين عمليّة جبّارة باشرت نقل مئات ملايين البشر نحو الحداثة والتقدّم. وهي، بالطبع، عمليّة بطيئة وتدرّجيّة ومتعثّرة، تنطوي على ارتدادات وآلام يصعب اجتنابها. لكن مبارحة قرون من التخلّف الذي صنعته علاقات الإقطاع والحروب والاحتلالات، ثمّ توّجَهُ الاستبداد الماويّ الشيوعيّ، ليست بالأمر السهل أو عديم الأكلاف.

اضافة اعلان

لقد أطلق دينغ هسياو بنغ هذه العمليّة في 1978، هو القياديّ الشيوعيّ الذي اتّهمه ماو تسي تونغ بـ"سلوك الطريق الرأسماليّ" وعزله. فبعودته إلى الصدارة إثر رحيل الزعيم المعبود، تمكّن دينغ من تحويل مبدئه البراغماتيّ "ليس المهمّ لون القطّة، بل المهمّ أن تصطاد الفئران"، إلى بوصلة هادية لحكم بلاده. وكان للعمليّة الجديدة المسمّاة "الإصلاح والانفتاح" أن وضعت حدّاً للماويّة الاقتصاديّة، حيث الدولة المالكَ الكامل لأدوات الانتاج. وهو النهج الذي بلغ ذروته المأسويّة مع "الثورة الثقافيّة البروليتاريّة العظمى" (1966-1976) التي كانت، بين ما كانته، حملة ضارية على "سالكي الطريق الرأسماليّ".

بيد أن التحوّل لم يحصل دفعة واحدة، بل اتّخذ مساراً بالغ التعرّج والتدرّج. ففي البداية سُمح لمشاريع صغرى، وأحياناً بيتيّة، بأن تنشأ على قاعدة الربح. وشيئاً فشيئاً راحت تتوسّع رقعة الاقتصاد الرأسماليّ والسعي إلى اجتذاب الرساميل، تلك التي في عهدة رأسماليّين صينيّين يعيشون في الخارج، أو تلك الأجنبيّة كليّاً. ولم يأزف العام 1985 حتّى ارتفع معدّل الدخل الفرديّ السنويّ، حسب أرقام البنك الدوليّ، إلى 293 دولاراً، وظلّ يتصاعد مذّاك حتّى وصل في 2006 إلى 2025 دولاراً. كذلك حظي الصينيّون بحريّات أكبر في ما خصّ قدرتهم على اختيار سكنهم ومهنهم وملابسهم حيث انكسر اليونيفورم الكاكيّ الشهير للعهد الماويّ.

وهذا لا يعني، بالطبع، أن الصين عثرت على الخلاص المأمول. فدينغ هسياو بنغ طوّر نظريّة أخرى تقول بالجمع بين الرأسماليّة الاقتصاديّة والتمسّك، سياسيّاً، بحكم الحزب الواحد. وهو ما قضى، ويقضي، باستمرار القمع وتزايده. فلم يكن بلا دلالة أن الطلاب والمثقّفين الذين حاولوا، قبل عقدين، توسيع نطاق الحريّات السياسيّة والتعبيريّة بما يجعلها تتلاءم مع الحريّات الاقتصاديّة، واجهتهم السلطة في ساحة تيان أن مين بالحديد والنار. وكان ما يعزّز الخيار الرسميّ هذا ما آلت إليه المحاولة الغورباتشوفيّة في الاتّحاد السوفياتيّ من فوضى أخافت الصينيّين وأذعرتهم.

إلى ذلك أفضت الإصلاحات، وهو ما يحصل دائماً في ظروف كتلك، إلى رفع الحماية الاجتماعيّة عن الفقراء الذين لم تفعل سنوات الحكم الشيوعيّ منذ 1949 إلاّ مضاعفة بؤسهم. فقد قضي على بعض المنافع والخدمات الحكوميّة في مجالات العمالة والصحّة والتعليم. وكان ما يزيد الأمور سوءاً أن الانتقال إلى الرأسماليّة، بعد طول كبت، أطلق موجة من الجشع والنهم جعلت الصين بين أكثر بلدان العالم فساداً. وفي المقابل، لم تبد الاستفادة من الاصلاحات متكافئة، بل هي اتّسمت بدرجة بعيدة من انعدام التكافؤ الذي يفصل بين المليونيريّة الجدد وقطاعات عريضة من العمّال يعملون بموجب شروط أقرب إلى الرقّ والعبوديّة. وتتجمّع هذه الصعوبات خصوصاً في أوساط العمّال الريفيّين الذين هجروا قراهم واتّجهوا إلى المدن حيث لعبوا الدور الأكبر في تأسيس الثورة الصناعيّة الجديدة في الصين. فهؤلاء، وهم يعدّون تبعاً للأرقام الرسميّة التي يُرجّح أنّها أقلّ كثيراً من الأرقام الفعليّة، 210 ملايين شخص، يواجهون في مدنهم الجديدة ظروفاً بالغة القسوة والشظف، خصوصاً في ظلّ عجزهم عن دفع الأقساط المرتفعة لتعليم أبنائهم. ويُقدّر متابعو الشؤون الصينيّة أن العمّال المهاجرين مرشّحون لأن يكونوا خميرة أيّ نشاط معارض في حال استفحال الركود الاقتصاديّ وتمكّنه منهم. فهم قد يجدون أنفسهم مسرّحين عاطلين عن العمل، وفي الوقت نفسه، عاجزين عن العودة إلى قرى مهجورة بائرة. وفي حال انعقاد الأزمة الاقتصاديّة على المطالبات الواسعة، لدى المثقّفين خصوصاً، بالحريّة السياسيّة والقوانين والتخلّص من حكم الحزب الواحد، يمكن للصين أن تعيش أيّاماً صعبة. فنجاحات الثلاثين عاماً الماضية ودرجة الانفتاح على العالم التي بلغت ذروتها المشهديّة في الألعاب الأولمبيّة الأخيرة، رفعت كثيراً توقّعات الصينيّين وقلّلت قدرتهم على تحمّل الرجوع الى الوراء.

كائناً ما كان الأمر، فإن تلك القارّة قد عرّضها دينغ هسياو بنغ للهواء بعد طول عزل، وهي اليوم باتت تملك وجهة واضحة. وهذا، قياساً بكلّ شيء آخر، هو ما يهمّ.