ثورة مصر.. بين قوة الجيش وقلق إسرائيل

قضيتان لا يختلف عليهما أحد في الثورة الشعبية التي اندلعت في مصر 25 كانون الثاني (يناير)، هما قوة موقف الجيش المصري، وقلق إسرائيل.

ويبدو حتى الآن أن الجيش المصري، الذي يملك رصيداً كبيراً في البلاد، اختار الوقوف على الحياد إزاء حركة الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها مصر، بعد أن استقبل المحتجون دبابات الجيش بالترحيب، وكتبوا عليها بعض مطالبهم، بما فيها "يسقط مبارك".

اضافة اعلان

امتناع الجيش عن قمع الاحتجاجات، لا يعني  أنه "قرر الانحناء لحركة الشارع تماماً، وبأنه سيكون مستعداً لقبول حسم مستقبل النظام في الشارع نفسه". بل إن الأنظار تتجه إلى الجيش، وسط تساؤل كبير حول مدى استعداده لقبول تغيير كامل في النظام السياسي، يتخطى شخص الرئيس إلى النظام نفسه. وقد يقتصر الأمر، في نظر البعض، حول مدى احتمال تبني المؤسسة العسكرية المصرية للنموذج التونسي، عندما رفض الجنرالات إطاعة أوامر الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بإطلاق النار على المتظاهرين.

وتعيين اللواء عمر سليمان نائباً للرئيس والفريق أحمد شفيق رئيساً للوزراء، وهما قياديان عسكريان بارزان، لم يكن سوى محاولة من الرئيس مبارك لـ"تعزيز ولاء الجيش له"، واستخلاص العبر مما حدث في تونس، حين تخلى الجيش عن الرئيس بن علي.

ومن الواضح أن الغموض ما يزال يحيط بموقف المؤسسة العسكرية، ولا يمكن لأحد أن يتكهن إلى أي طرف ستنحاز في نهاية المطاف، رغم أن عدداً من المحتجين عبروا عن اعتقادهم بأن الجيش لديه حسابات مختلفة عن تطلعاتهم، فهو ما يزال يلتزم بأوامر الرئيس مبارك، على رغم دخول بعض قادته في لعبة شد الحبال بين المحتجين وبين النظام القائم.

ويربط البعض بين الخيارات التي قد يتخذها الجيش وبين موقف الإدارة الأميركية من التطورات الجارية في مصر، خصوصاً أن الرؤية الأميركية  لدور الجيش في الحياة السياسية ترتبط عادة بسيناريو الانتقال السلمي للسلطة، وليس بسيناريو التحولات الثورية أو الجذرية.

ولعل ما قاله المسؤول الأميركي السابق مارتن أنديك، في تعليقه على الأحداث الجارية في مصر، يعكس إلى حد كبير ما يجول في أذهان صناع القرار في البيت الأبيض. فهو يرى أن الوقت قد حان لرحيل مبارك، وأن بإمكان الجيش أن يقوم بدور محوري في انتقال السلطة، من خلال سماحه بوصول "قيادة سياسية شرعية إلى الحكم"، وأنه بإمكان عمر سليمان أن "يتسلم الحكم كرئيس ويتعهد بإجراء انتخابات خلال ستة أشهر". وهذا يتفق إلى حد كبير مع ما تتبعه الولايات المتحدة عادة في تعاملها مع أي انتفاضة شعبية منذ أربعينيات القرن الماضي.

أما في إسرائيل التي تبدي قلقا على مستقبل "كامب ديفيد"، فهناك متابعة حثيثة لتطورات الموقف الميداني في مصر على مختلف الصعد السياسية والأمنية، حيث طغى المشهد المصري على مجمل التحركات السياسية الإسرائيلية، الداخلية والخارجية، حتى وصل الأمر إلى غضب إسرائيلي من الموقف الأميركي وقرار أوباما التخلي عن مبارك، ومما يكشف عدم فهم الأميركيين للشرق الأوسط، وأن هذا يضع السلام مع مصر في خطر. حتى إن دراسة استراتيجية إسرائيلية، أصدرها معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، طالبت بأن تستعد تل أبيب "جيدا للتغييرات الجذرية بعد الرئيس المصري حسني مبارك"، الذي تشير الدراسة إلى أن نظامه انتهى بغض النظر عن نتيجة ما أسمته "التمرد الحالي".

التغيير الذي حققه الشبان المصريون في أيام بميدان التحرير بالقاهرة، وفي غيرها من المدن المصرية، حرك المشهد الراكد في مصر منذ عقود، وهو ما لم تستطع فعله أحزاب المعارضة التقليدية كلها طوال سنوات وسنوات من مطالباتها عبر بيانات ركيكة، ومؤتمرات تجاوزها الزمن.