جائزتان مستحقّتان لفيلم أردني

فاجأتنا فرحةٌ كُبرى، نحنُ الأردنيين، في قاعةِ أرينا في مدينةِ الجميرا في دبي، من بين حضورِ حفلِ اختتامِ مهرجانِ دبي السينمائي الدولي وتوزيعِ جوائزِه، بفوزِ الفيلم الأردنيِّ الروائيِّ الطويل "مدن ترانزيت" بجائزةِ لجنةِ التحكيمِ الخاصّة في فئتِه، وكان ظنُّنا، وظنُّ صُنّاعِهِ أيضاً، أنَّ نَيْلَهُ في أثناءِ المهرجان، الخميس الماضي، جائزةَ الاتحاد الدوليِّ لنقّادِ السينما (مقرّه باريس)، من بينِ عِدّةِ أفلامٍ عربيّة، التقديرُ الوحيدُ له في هذه التظاهرةِ السينمائيّةِ الرفيعة، والتي تتنافسُ فيها أفلامٌ من كلِّ العالم، وتُخَصِّصُ في فئاتِهِا جوائزَ لأفلامٍ إفريقيةٍ وآسيويةٍ، ما يؤكِّدُ أهميّةً هذه التظاهرة في خريطةِ المهرجاناتِ السينمائيّةِ العالميّة، فتجعلُ غِبطتَنا كبيرةً بفوزِ فيلمٍ أردني، هو الروائي الطويل الأول لمخرجهِ الشاب محمد الحشكي، بجائزتين ثمينتين في المهرجان، وكذا فوزُ "صورتي عندما كنتُ ميِّتاً" لمحمود المساد بجائزةِ أفضلِ فيلمٍ وثائقيٍّ عربيٍّ فيه أيضاً.

اضافة اعلان

نَسْعَدُ بجائزتي "مدن ترانزيت"، وقد قامَ أبطالُه، صبا مبارك ومحمد القباني وشفيقة الطل، بأدوارِهم فيه تطوعاً، بهدفِ تحقيقِ فيلمٍ سينمائيٍّ أردنيٍّ يَشُقُّ طريقَه إلى المشهدِ السينمائي العربي والعالمي، بحسبِ منتجتِه رولا ناصر في ندوةٍ عنه في مهرجان دبي. وإذ نعرفُ أنّهُ من مشاريعِ برنامجِ تدريبٍ متكاملٍ في الهيئةِ الملكيةِ الأردنيةِ للأفلام، وأنَّ إنتاجَه تمّ بميزانيةٍ بسيطةٍ وإمكاناتٍ متواضعة، يكونُ في محلِّهِ قولُ محمد القباني إن الفيلم، في ذلك، يُؤشِّر إلى إرادةِ شبابٍ أردنيين في محاولةِ صناعةِ سينما أردنية، وتكونُ وجيهةً، وتستحقُّ النقاشَ الجديَّ، فكرةٌ طُرحت في الندوة، هي إطلاقُ صندوقٍ أردنيٍّ خاص يُعنى بأفلام الشباب، بهدفِ إيجادِ حراكٍ شبابيٍّ متواصلٍ في الحياةِ الثقافية والفنية في المملكة. ولأنّ أهلَ الاختصاص أدرى من كاتبِ هذه السطور في هذا الشأن، يُكتفى هنا بالتنويهِ إلى أنَّ نقاشاً حول سبلِ تطويرِ منتوجٍ سينمائيٍّ أردنيٍّ متقدم، يَحسُنُ أن يُثيرَه فوزُ "مدن ترانزيت" بجائزتين دوليّتيْن مستحقّتين، سيّما وأنَّ الفيلم يؤكّد المؤكَد، وهو وجودُ مواهبَ وقدراتٍ أردنيةٍ مبدعةٍ في الأداءِ والإخراجِ والتصويرِ والموسيقى التصويرية والمونتاج، كما أفلامٌ أردنيةٌ شوهدت في مهرجاناتٍ عربيةٍ وعالمية، وفي البال فوزُ نديم صوالحة في "كابتن أبو رائد" بجائزةِ أحسن ممثل في فئةِ الأفلام العربية في مهرجان دبي قبل ثلاثة أعوام.تُيسِّر جائزتا "مدن ترانزيت" مناسبةً، إذنْ، للتذكيرِ بوجوبِ وجودِ روافعَ حكوميةٍ وخاصّةٍ داعمةٍ لصناعةِ أفلامٍ أردنيةٍ متقدمة، وشراكاتٍ بين القطاعين العام والخاص لإسنادِ هذه الوجهةِ الفنيةِ ذاتِ الأهميّة الثقافيّةِ لبلدنا. ونجدُنا، لهذا السبب ربما، نحتفي بالجائزتين أكثرَ من الاحتفاءِ بالفيلمِ نفسه، والذي يضيءُ على إحباطاتِ امرأة أردنيةٍ تعودُ إلى عمّان بعد إقامةِ 14 عاماً في أميركا، حين تُعاينُ تغيّراتٍ في الأردن، يوحي الفيلمُ بأنها تتعلقُ بموجةِ تديُّنٍ واسعةٍ وعولمةٍ جارفة معاً. وفي حِرفيةٍ في التصويرِ والأداءِ والإيقاعِ العام للفيلم، تصْطدمُ الشابةُ العائدةُ مطلقةً ومتعلمةً بما يُغاير قناعاتِها، وتلحظُ بسلاسةٍ في مسارِ الفيلم صمتَ اليسار ورتابةَ الأشياء، فتُقرِّر العودةَ إلى أميركا. ومع التنبيهِ إلى أنّ هذه الحالةَ في الفيلم لا تستثيرُ، بالضرورة، التعاطفَ معها، فالتمرُّدُ على القيمِ المحافظةِ في البلد ليس مطلوباً لذاتِه، ولا ينبغي أنْ يَصْدُرَ عن شعورٍ متعالٍ (واستشراقي؟)، كما تبدّى لدى ليلى كامل التي أدّت دورَها صبا مبارك باقتدار.

[email protected]