جرش التاريخية.. تقصير يبعث على الخجل

لا أنا مسؤول في وزارة السياحة، ولا في بلدية جرش. لكن بوصفي مواطنا، خجلت من النظر في عيني سائح أجنبي قطع آلاف الأميال لزيارة المدينة الرومانية القديمة في جرش، ووجدها على هذه الحال.اضافة اعلان
في المنطقة المحاذية لمدخل الموقع الأثري، لم تقصر الجهات الرسمية في تشييد ساحة واسعة كمواقف للحافلات السياحية ومركبات الزوار. لكن قبل أن ينتصف نهار ذلك اليوم الذي زرنا فيه الموقع، كانت الساحة والشوارع المحيطة بها قد تحولت إلى "مزبلة". أعتذر عن استخدام هذا التعبير، لكن لم أجد غيره لوصف المشهد.
النفايات تتطاير في كل مكان، والرائحة النتنة تزكم الأنوف. المئات من طلبة المدارس يتوافدون، ضمن الرحلات المدرسية، لزيارة الموقع الأثري. خطوة طيبة، لكن مرافقيهم من المدرسين لا يفعلون شيئا حيال السلوك المنفلت لصغار يلقون بالمخلفات في الموقع. وما من أحد يراقب المكان الذي يعج بعشرات الأطفال البائعين، والعديد منهم من أصحاب الحاجات الخاصة. أحد هؤلاء مكلف بإرشاد السائقين إلى المواقع المناسبة للاصطفاف، مقابل مبلغ يلح في طلبه بطريقة محرجة.
على الأرصفة، تنتشر البسطات بشكل عشوائي. ويظهر للزائر أن أصحابها لا يقيمون وزنا لمعايير النظافة؛ إذ يلقون مخلفات بضائعهم أينما كان.
لم ألحظ وجود مراقب في الموقع في الساحة الخارجية، وهي أول ما تقع عليه عيون السياح فور نزولهم من الحافلات. ولكم أن تتخيلوا تأثير الانطباع الأول في نفوسهم.
نتقدم خطوات إلى الساحة الداخلية لسوق الحرف التراثية، فلا نلمس أي فرق في مستوى النظافة عما شاهدنا في الخارج. السوق من الداخل، وعلى ما فيها من تنوع في المعروضات والحرف اليدوية التي تجذب اهتمام الأجانب، إلا أنها تفتقر أيضا للنظافة والتنظيم. كما لا يبدو أن القائمين عليها يكترثون للجانب الأمني؛ فعلى مدخل السوق جهازان للتفتيش، تأكدت عبر التجربة أنهما معطلان.
كان يفترض لجولتنا في الموقع الأثري أن تمتد لساعتين على الأقل، لكن من يحتمل البقاء وسط هذه المكرهة الصحية؟ هرعنا بسرعة إلى السيارة، وأقفلنا نوافذها بإحكام حتى لا ترافقنا الروائح الكريهة فيما تبقى من رحلتنا.
لكن ماذا عن السائح الأجنبي الذي رصد مبلغا وقدره لرحلة سياحية إلى بلادنا؟ أي ذكرى سيعود بها إلى بلاده، غير هذه الروائح التي ستعلق في ملابسه، والمشاهد المخزية لأطفال من أصحاب الحاجات الخاصة يلهثون خلفه وهم يمدون أيديهم؟
لم أزر هذا الموقع الأثري الساحر منذ سنوات طويلة. ولا أذكر إن كان بهذا الوضع المزري من قبل أم لا. لكن حاله ذكرتني بمصر، وتحديدا بالمنطقة المحيطة بالأهرامات. إلا أنني لم أتصور أن موقعا أثريا في بلادنا يمر بنفس الظروف الصعبة؛ من انعدام أشكال النظافة، والفوضى التي تنفر كل من يقترب منه.
لا شيء يبرر هذا الإهمال؛ لا شح الموازنات، ولا نقص الإمكانات. المسألة لا تحتاج إلا للقليل من الإدارة والمتابعة؛ لتفعيل الكوادر المعنية بتنظيم الموقع، ومراقبته على مدار الساعة، للتأكد من أن المعنيين يقومون بواجباتهم الوظيفية.
وزارة التربية والتعليم التي تنظم في هذا الوقت من السنة المئات من الرحلات المدرسية، معنية هي الأخرى بمراقبة سلوك الطلبة؛ لا بل إن الرحلات المدرسية هي مناسبة لتعليم الصغار تقدير مكانة تاريخهم، وضرورة المحافظة على شواهده الأثرية، مثلما أن الخروج في نشاط لامنهجي فرصة لتعليم الطلبة قواعد التعامل مع الأماكن العامة ونظافتها.