جنوب افريقيا في شرق المتوسط

لا أود أن أدبج مقالاً قد لا يضيف كلمة واحدة ذات مغزى إلى السيل العرم من التعليقات والتوصيفات والبيانات الصادرة تباعاً ضد القرار العنصري الإسرائيلي القاضي بتهجير عشرات الألوف من المواطنين الفلسطينيين القاطنين في الضفة الغربية. ولا أرغب كذلك في التهوين من عواقب هذا القرار الإجلائي الخطير أو إبداء الجزع الشديد حيال وضعه موضع التطبيق بدءاً من اليوم.

اضافة اعلان

ذلك أن شروع الحاكم العسكري الإسرائيلي ببدء تنفيذ أمر متخذ منذ نحو ستة أشهر، وإعلانه على الملأ في هذه الآونة التي تبدو فيها إسرائيل كدولة مدانة حتى من أقرب حلفائها، وتعاني انكشافاً وتخبطاً وخللاً كبيراً في علاقاتها مع الولايات المتحدة، يقدم دليلاً آخر على أن القائمين على إدارة شؤون هذه الدولة وشجونها هم جماعة من المجانين المصابين بعاهات نفسية غائرة في التكوين التاريخي لهذه الضحية الأبدية على مر العصور السابقة.

وليس لأحدنا أدنى شك في أن إسرائيل المسكونة بهاجس الرغبة في تفريغ الأرض الفلسطينية من أصحابها، تمتلك ما يكفي ويفيض من القوة المادية المجردة لحمل السكان الأصليين على الشاحنات وإلقائهم وراء الحدود. لكن السؤال هو، لماذا لم تتمكن إسرائيل التي نفذت مخططها التهجيري على نطاق واسع في زمن الحرب، من استكمال ذلك بصورة تامة فيما بعد، وهي صاحبة اليد الحديدية الفتاكة طوال السنوات الطويلة الماضية؟

وإذا كانت إسرائيل قد ظلت عاجزة عن وضع برنامج الإخلاء والطرد والتطهير العرقي في زمن ما قبل ثورة الاتصالات، وعصر منظمات حقوق الإنسان، وتقاعست عن ذلك في العهد الذي تمتعت فيه بالعطف والاحتضان والتأييد المطلق من جانب المجتمع الغربي الذي تنتسب إليه قيمياً، فكيف لها أن تفعل هذا القرار المثير حتى لأقرب حلفائها، وهي اليوم تستنسخ صورة جنوب إفريقيا السابقة، وتقترب حثيثاً من وضعية دولة الأبرتايد المجذومة؟

لقد قلنا في وقت سابق، غداة تشكيل بنيامين نتنياهو لحكومته اليمينية المتطرفة قبل نحو سنة، إن هذا الفريق المتكون من الغلاة وممثلي المستوطنين وعبدة منطق القوة العسكرية المجردة، هو أفضل فريق قد يختاره أعداء إسرائيل فيما لو تيسر لهم انتخاب أسوأ من يقود عدوهم في هذه المرحلة، التي تواجه فيها الدولة العبرية عزلة غير مسبوقة وإدانة دولية واسعة لا مثيل لها، واستعصاء شديداً لخياراتها الحربية والسلمية معاً.

وبالفعل، فقد كانت السنة الأولى من عمر حكومة نتنياهو سنة حافلة بالإخفاقات، وغاصة بسلسلة من الخسائر السياسية القاسية، تضافرت على إنتاجها حماقات أفيغدور ليبرمان وإيلي يشاي، ناهيك عن نتنياهو نفسه، وذلك على نحو ما تجلى عليه الأمر مع تركيا ومع الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن العالم العربي، ثم مع الإدارة الأميركية أخيراً وليس آخراً، وهي جميعها خسائر نوعية متراكمة ما كان في وسع أعدى أعداء إسرائيل تحقيقها بهذه السهولة النسبية وفي زمن قصير للغاية.

وها هي الدولة التي نجحت طويلاً في تبرير نفسها، وتظهير صورتها كملاذ آمن ووحيد للناجين من الكارثة النازية، تقلد جلاديها السابقين، وتتماهى مع فلسفتهم العنصرية، وتتنقب سياساتهم التطهيرية إزاء ضحية الضحية، أي إزاء الفلسطينيين الذين لم يعودوا قطيعاً يسهل تحميله على ظهور الشاحنات، ولا هم يعيشون في جزيرة معزولة بلا حول ولا قوة، كي يقارف أدعياء الديمقراطية والمثل الأخلاقية الغربية فعلتهم النكراء الجديدة من دون رقيب أو حسيب.

بكلام آخر، فإن إسرائيل التي لا تتوانى اليوم عن إطلاق النار على نفسها، ولا عن إطلاقه بغزارة على الفلسطينيين والعرب منذ أمد طويل، تفتح بقرارها الجديد هذا جبهة أخرى يسهل منها التهديف جيداً على مكانتها الأخلاقية في زمن ما بعد تقرير غولدستون، والتشكيك بأهلية عضويتها في منظومة الأمم الديمقراطية التي تصر هذه الدولة الرعناء على الانتساب إليها، وتقدم للعرب والفلسطينيين في الوقت ذاته مخزن ذخيرة وافرا لإطلاق نار سياسية حامية، وتدشين حملة إعلامية دبلوماسية حقوقية مواتية لتجريد الدولة العبرية من أحد أهم مصادر قوتها الأخلاقية الموازية بعض الشيء لقوتها العسكرية.

[email protected]