جيش لم يلوث سمعته بالسياسة

أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية أن منتسبي الجيش العربي لن يشاركوا في الانتخابات البلدية المقررة قبل نهاية الشهر الحالي، رغم أن قانون البلديات يمنحهم هذا الحق. ووصف بيان القيادة العامة هذه الخطوة بأنها تعبير عن التزام الجيش بدوره ومهامه في حفظ أمن الحدود واستقرارها.اضافة اعلان
قرار قيادة الجيش مهم لناحيتين رئيسيتين. فمشاركة أفراد القوات المسلحة ربما كانت ستوظف لرفع نسبة الاقتراع في انتخابات يعتقد خبراء أن نسبة التصويت فيها لن تتجاوز 20 بالمئة. كما أن مشاركة العسكر قد تدفع بالبعض إلى اتهام الدولة بالتدخل في الانتخابات عن طريق التصويت الموجه للعسكريين. مثل هذه الممارسة حدثت قبل سنوات في الانتخابات البلدية، لا بل وفي الانتخابات النيابية، وشكلت إساءة بالغة لدور القوات المسلحة وصورتها كمؤسسة وطنية.
في الانتخابات النيابية الأخيرة، التزم الجيش بعدم التدخل في الانتخابات من قريب أو بعيد، والتزم بهذا الوعد. والمؤكد أنه سيتحلى بالمصداقية ذاتها في "البلدية".
الجيش الأردني من بين الجيوش القليلة في المنطقة العربية التي لا تتدخل في الحياة السياسية. في عقد الخمسينيات من القرن المنصرم، دخل ضباط معترك الحياة الحزبية والسياسية على وقع الانقلابات العسكرية التي شهدها أكثر من بلد عربي، وبرزت في الأردن ظاهرة الضباط الأحرار. لكن بعد إنجاز مهمة تعريب قيادة الجيش العربي، وتراجع بريق الانقلابات في عالمنا العربي، التزم الجيش منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا بدوره الوطني ومهامه في حماية سيادة الوطن واستقلاله.
يمكن القول إن التزام الجيش عدم التدخل في الحياة السياسية، يعد عاملا رئيسا من عوامل الاستقرار الداخلي في الأردن، وفي الوقت نفسه ضمانة مهمة لتجنب النزاعات الأهلية والطائفية؛ فقد شكلت المؤسسة العسكرية بحق حاضنة وطنية لكل الأردنيين، من مختلف الأصول والمناطق. ففي البلدان النامية التي لا تحظى بتقاليد ديمقراطية في الحكم، ومؤسسات مدنية متجذرة، تلعب الجيوش دورا بارزا في المحافظة على وحدة البلاد وتماسك المجتمعات.
زُهد الجيش الأردني بالمشاركة في الحياة السياسية والعملية الانتخابية، يأتي في مرحلة تتصدر فيها الجيوش المشهد في أكثر من بلد عربي؛ في سورية يصارع الجيش النظامي جيشا حرا، وينعقد عليه الرهان لإنقاذ البلاد من التقسيم، ومن المرجح أن يكون له دور كبير في الحياة السياسية في أي مرحلة انتقالية، وربما لفترة زمنية طويلة. وفي مصر، عاد الجيش إلى السلطة من جديد؛ فبعد غياب قصير عن الحكم لم يزد على سنة واحدة، استعاد قادة الجيش المصري السلطة من رئيس منتخب، وها هم اليوم يغرقون في وحل السياسة، ويدفعون الثمن غاليا.
وفي دول عربية أخرى تورطت الجيوش في مهمات الأمن الداخلي، وحلت مكان أجهزة الشرطة والدفاع الوطني.
لعبة السياسة تغري العسكر في بلدان كثيرة، ويشعر بعض قادتها أن امتلاكهم الحصري للقوة العسكرية يمنحهم الحق في السلطة، لا بل وفي الاستبداد.
في الأردن، لم تُلوث سمعة الجيش في السياسة؛ ووضع قدرته واحترافيته في خدمة البلاد واستقرار نظامها وشعبها. حتى الحقوق التي منحها له القانون في المشاركة، تنازل عنها ليتجنب الشبهات.