حادثة "الأقصى" وعلاقة عباس بعمان

ألقت حادثة "الأقصى" بظلال الشك، من جديد، على علاقة الأردن بالسلطة الوطنية الفلسطينية. أطراف سياسية عديدة داخل فلسطين، راحت تتبادل الاتهامات بالمسؤولية عما حصل لقيادات دينية أردنية زارت المسجد الأسبوع الماضي. في البداية، وُجهت أصابع الاتهام لمناصري حزب التحرير الإسلامي بإثارة الشغب. وفي وقت لاحق، نفى الحزب هذه الاتهامات. ونقلت وسائل إعلام عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قوله إن حركة حماس هي من تقف وراء الحادثة، وهو ما نفته الحركة أيضا.اضافة اعلان
الحادثة بتفاصيلها أُشبعت بحثا من المختصين بملف القدس، ودور الأردن في رعاية المقدسات هناك. لكنها، في الوقت نفسه، كانت مناسبة لتسليط الضوء على حال العلاقة الرسمية بين الأردن والسلطة الفلسطينية، والتي دخلت في حالة جمود منذ أكثر من ستة أشهر، وما تزال.
كان أبو مازن من بين ضيوف المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في البحر الميت مطلع الأسبوع الحالي. لكن، وعلى غير العادة، لم نشهد لقاء قمة على هامش المنتدى، كما كانت الحال مع زعماء آخرين شاركوا في المناسبة. حضر أبو مازن، لكنه كما لو أنه لم يكن موجودا بالنسبة للمسؤولين الأردنيين؛ حتى رئيس الوزراء د. عبدالله النسور لم يلتقه، وكذلك وزير الخارجية ناصر جودة.
هذا ليس بجديد؛ فآخر لقاء قمة بين الطرفين يعود إلى ما قبل العام الماضي. اجتهد محللون وكُتّاب، وأنا منهم، في تفسير أسباب الجفاء بين الطرفين. وقبل أيام، تناول الزميل عريب الرنتاوي الموضوع باستفاضة عميقة.
كل ما كتب في هذا المجال صحيح، لكنه ليس كل الحقيقة. ثمة قطبة، بل قطب مخفية في الخلاف، غير ما هو متاح من أسباب تتعلق بتباين المواقف تجاه طلب "السلطة" الاعتراف بدولة فلسطين، والذي تقدمت به إلى مجلس الأمن نهاية العام الماضي، وما يتردد عن عتب أردني على ما نُسب لمحمود عباس من تصريحات تجاه الأردن.
في عمان، كما في رام الله، لا يتوقف السؤال عن الأسباب الكامنة خلف هذا البرود في العلاقة. لكن، ما من إجابات كافية ومقنعة عند الطرفين. وعندما نتوجه باستفسار إلى الرسميين، يأتي الجواب بطريقة دبلوماسية مهذبة، لكنها غير شافية أو مقنعة.
وما زاد من حيرة المراقبين وارتباكهم، التصريح المنسوب لرئيس الوزراء د. عبدالله النسور في المنتدى الاقتصادي؛ حول قلقه من صفقة فلسطينية-إسرائيلية على غرار اتفاقية أوسلو الشهيرة.
لم يكن للتصريح ما يبرره من الناحية السياسية؛ ففي ظل وجود حكومة يمينية متطرفة، لم يعد هناك من يتوقع وجود أي فرصة لحل، مهما كان شكله، للقضية الفلسطينية. غير أن حديث النسور أعطى إشارة قوية على عمق فجوة الثقة بين الأردن والسلطة الفلسطينية. وهي حالة نادرة وغير مسبوقة في علاقة اتسمت بالثقة، والمودة دائما.
الدبلوماسية الأردنية تحكمها تقاليد صارمة، يصعب معها أن يفلت لسان مسؤول بكلام صريح حول أسباب الخلاف الحقيقية. لكن اللافت حقا هو موقف الجانب الفلسطيني، الأكثر تحررا من هذه الناحية؛ فهو الآخر يلوذ بالصمت. وما من مظهر يمكن ملاحظته لافتقاد الود في العلاقة، غير "الكشرة" المرسومة على وجه أبو مازن في جلسة افتتاح المنتدى الاقتصادي.