حالة مصر– المقدمات

 

في الدول الديمقراطية، عادة ما يمثل قرب إجراء انتخابات برلمانية أو رئاسية فرصة للنخب السياسية والفكرية وللرأي العام للقيام بكشف حساب مفصل لحاضر الدولة المعنية وإدارة حوار موسع حول إيجابياته وسلبياته وملامح المستقبل المنشود. وكنت في مقالات متفرقة سابقة قد عرضت لنواقص الحوار الدائر في مصر وأشرت، ولم يعد يفصلنا عن الانتخابات البرلمانية 2010 سوى أشهر معدودة والقلق العام بشأن مستقبل المنصب الرئاسي وهوية المرشحين المحتملين في انتخابات 2011 الرئاسية يتصاعد بصورة غير مسبوقة، إلى ضآلة المطروح من أفكار محددة حول حاضر مصر ومستقبلها وطغيان العموميات على حديث التغيير والإصلاح والديمقراطية والتنمية بشقيه الحكومي والمعارض. أما اليوم، وفي مستهل سلسلة مقالات أخصصها لتناول "حالة مصر"، أترك خانة النقد لطرح ما أحسبه المفردات الرئيسية لكشف حساب حاضر مصر الدولة والمجتمع وأسئلة مستقبلنا الكبرى.

اضافة اعلان

وأبدأ بتسجيل بعض الملاحظات الأولية حول المنهجية التي أعتزم الاعتماد عليها في ما يخص كشف حساب الحاضر وتحديد أسئلة المستقبل، وكذلك رؤيتي لدور القارئ المصري والعربي لسلسلة مقالات حالة مصر ونوعية التفاعل الذي أتمنى حدوثه بينه وبيني خلال الأسابيع المقبلة:

نقطة الانطلاق الأولى في طرح كشف حساب الحاضر هي مقارنة بين مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مصر عام 2000 وبين الأوضاع السائدة اليوم في عام 2010. تشكل، إذن، أعوام العقد الأول من الألفية الجديدة السياق الزمني لكشف الحساب، وأزعم أنها كافية لتقديم صورة موضوعية عن الحاضر المصري. ستحتوي المقالات المقبلة على بيانات ومعلومات موثقة عن معدلات التنمية وإنتاجية القطاعات الزراعية والصناعية والخدماتية والزيادة السكانية والدين العام والتضخم والبطالة والفقر وغيرها من المؤشرات الاقتصادية في عام 2000 وتقارنها بمؤشرات اليوم (والمقصود باليوم ووفقا للبيانات والمعلومات المتوفرة هو خليط من العام الحالي والعام الماضي وقبل الماضي)، لرصد وتحليل مدى ومقدار ووجهة التقدم-التراجع في الاقتصاد المصري. كما سيصار إلى تطبيق ذات المقاربة إن حين النظر في القضايا الاجتماعية الكبرى كوضعية المرأة في المجتمع والعلاقة بين المواطنين المصريين الأقباط والمسلمين وأمور شائكة كالختان وجرائم الشرف وغيرها، أو حين التعرض لشؤون السياسة متمثلة في تحديد النمط السائد على منحنى احتكار-توزيع- تداول السلطة ومدى سيادة حكم القانون ووضعية حقوق الإنسان وممارسة الحريات المدنية (بما فيها حرية المعتقد الديني) والسياسية والإطار الدستوري والقانوني الناظم للتعددية والمنافسة السياسية وللعلاقة بين نظام الحكم والمعارضة بأطيافها المختلفة. هنا أيضا ستقارن سلسلة حالة مصر بين عامي 2000 و2010 وترصد وتحلل مدى ومقدار ووجهة التقدم - التراجع في الأوضاع الاجتماعية والسياسية.

أما نقطة الانطلاق الثانية، فتتمثل في البناء على المقارنة بين مجمل أوضاع عام 2000 وعام 2010 لبلورة تحليل عوامل وأسباب التقدم - التراجع في حالة مصر، يركز على تفضيلات وسياسات نظام الحكم في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويرصد بهذا السياق حدود الاستمرارية والتغيير خلال الأعوام الماضية ويبين مدى التطابق - التفاوت بين وجهة الخطاب الرسمي والوعود الرسمية وبين المنفذ من سياسات. وعلى الرغم من أن هذا لا يعني أن سلسلة حالة مصر ستتجاهل تماما أدوار القوى والمنظمات غير الحكومية أو تغض النظر عن خصائص البيئة المجتمعية التي تم بها تحديد وتنفيذ التفضيلات والسياسات الحكومية أو تتكاسل عن إظهار التنازع والتجاذب بداخل نظام الحكم حول مضامين هذه التفضيلات وتلك السياسات، إلا أن التركيز على الفعل الحكومي يستمد صدقيته التحليلية من كون الإطار الدستوري والقانوني وواقع ممارسة السلطة دوما ما ضمنا لنظام الحكم الدور المركزي في المجتمع وحافظا على هيمنته على جميع القوى الأخرى.

ثم تأتي نقطة انطلاق ثالثة هدفها مزج رصد وتحليل التقدم - التراجع في أوضاع مصر الداخلية بين عامي 2000 و2010، ببحث في التطورات التي استجدت على دورها الإقليمي ومكانتها الدولية في ذات الفترة. والمؤكد هنا هو أن حدود التقدم - التراجع في أوضاعنا الداخلية، شأننا في ذلك شأن كل دول العالم، أثرت وتؤثر على ساحات ومضامين وفاعلية الدور الإقليمي والدولي. المؤكد أيضا هو أن الأعوام القليلة الماضية (تحديدا في أعقاب الغزو الأميركي للعراق وحرب إسرائيل على لبنان 2006 وحرب غزة 2008)، شهدت تناميا لمقولة باتت غالبة في مصر وفي محيطها العربي تقضي بأن دور "أم الدنيا" الإقليمي تراجع/ تآكل/ انكمش (إلى آخر كل ذلك من مفردات) وأن ماضي النفوذ المصري أضحى حاضر النفوذ الإيراني/ التركي/ السعودي (إلى آخر قائمة الدول والحركات التي يرى بها البعض اليوم بدائل لدور مصر)، وأن هذا التغير السلبي ليس ببعيد كل البعد عن (التراجع المستمر) في أوضاع مصر الداخلية. ستعرض سلسلة مقالات حالة مصر لتداعيات الأوضاع الداخلية على الدور الإقليمي والمكانة الدولية، ساعية لاختبار مقولة "التراجع المصري" من دون انحياز مسبق وباحثة أيضا في التأثير العكسي للإقليم والعالم على أوضاعنا الداخلية.

بقيت، قبل التحول إلى رؤيتي لدور القراء، نقطة انطلاق رابعة وأخيرة تتعلق بكيفية تحديد معاني ومضامين التقدم - التراجع في حالة مصر. أذكر القارئ هنا وبوضوح شديد بقناعاتي الليبرالية التي ترى في تنمية متوازنة ومستقلة، يقودها اقتصاد للسوق مسؤول اجتماعيا وتضمن حدا أدنى من العدالة التوزيعية، جوهر التقدم الاقتصادي. وفي العمل على المساواة بين النساء والرجال وبين المواطنين الأقباط والمسلمين وفي تطوير شبكات للرعاية الصحية والاجتماعية وخدمات تعليمية تواكب القرن الحادي والعشرين قلب التقدم الاجتماعي. وفي تداول السلطة وسيادة حكم القانون واحترام حقوق الإنسان وحريات كل المواطنين المدنية والسياسية أساس التقدم السياسي.

أما القراء الكرام، في مصر ومحيطها العربي المهتم والمهموم بحالتها، فأدعوهم إلى النظر إلى مقال اليوم والمقالات المقبلة في سلسلة حالة مصر على أنها منتوج جهد بحثي لا يدعي الكمال وليس لصاحبه إلا أن يستفيد كثيرا من تعليقات وتصويبات ومقترحات القراء الموضوعية والدقيقة. يحدوني الأمل في أن تصبح سلسلة حالة مصر عنوانا لخبرة تفاعلية جديدة مع القراء تسهم في إثراء الحوار حول حاضرنا ومستقبلنا.