حذار من تفشي الفقر

الدراسة الاخيرة للبنك الدولي حول تصنيف الفقراء في الاردن انتهت الى ان عدد الفقراء بلغ 538 الف فقير، وهو يتقارب مع عدد الفقراء قبل 18 عاما.

 ويأتي هذا التقارب رغم تحول المملكة الى برامج تستهدف الفقراء وتقدم الدعم المباشر لهم حاليا، في الوقت الذي كانت فيه المعونات تطال شرائح اوسع في السابق.

اضافة اعلان

المفارقة في الدراسة تتمحور حول تحذيرات البنك الدولي من تدني مستوى الدخل الفردي، وهو ما يمس الفقراء الذين يعيشون فوق خط الفقر؛ اذ تبقى تلك الشريحة معرضة للانضمام الى الشريحة الاكثر فقرا.

 وذهبت الدراسة الى ان انخفاض الانفاق بنسبة 10 % لمختلف فئات الدخل يمكن ان يتسبب في زيادة عدد الفقراء بنسبة 35%، وتلك نسبة مرعبة اذا ما تحققت، لا سيما وان الاقتصاد المحلي يمر حاليا بوقت عصيب اذ تضخمت المديونية وتفاقم عجز الموازنة في مقابل سياسات حكومية تحاول رفد خزينة الدولة بأموال يتأتى جلها من ضرائب مباشرة وأخرى غير مباشرة.

وفي قراءة غير رسمية لواقع الفقر وانتشار جيوبه على امتداد الجغرافيا الاردنية، فإن ثمة دراسات تشير إلى تجاوز عدد الفقراء لما نسبته 35% من السكان، ونحتاج حاليا الى إعادة تعريف الفقر والفقر المدقع والجوع بعد ان تداخلت المفاهيم وشهد الاقتصاد المحلي تداخلا واضحا في عناصره مع ما هو اقليمي وعالمي.

بالعودة الى التحذير الصادر عن البنك الدولي، أعتقد ان ما جاء فيه ينطوي على صدقية، فعدم مرونة السياسات الحكومية مع تحديات الزيادة السكانية، وعدم الالتفات الى النمو القابل للاستمرار بوصفه وسيلة لمساعدة الفقراء والاستعاضة عنه بسياسات تهدف الى خفض العجز الحكومي، كل ذلك يتسبب في توسيع شريحة الفقراء وتقسيم الطبقات في البلاد على نحو يقيد معظم الخطط الهادفة الى النهوض بالواقع المعيشي للمواطن الاردني.

وضمن نسق افتراضي، فإن الحكومات التي لم تتمكن في أزمنة الوفرة وتدفق السيولة ووصول المساعدات والاستمرار في الاستدانة داخليا وخارجيا من تحسين مستوى عيش المواطن او التقليل من اتساع خريطة الفقر، فانها الان امام تحد اكبر، لا سيما وان الحكومة الحالية تسعى بأي  كلفة الى سد عجز الموازنة الذي يتخطى 1.1 بليون دينار، بينما تتضاءل السيولة وتنحسر المساعدات وبات باب الاستدانة شبه مقفل، لتصبح الضرائب حلا وحيدا امام مؤسسات رسمية اخفقت خططها في خفض الانفاق ومعالجة تشوهاته التي تسببت في تفاقم المديونية والعجز على حد سواء.

لست متأكدا من مصداقية التطمينات الحكومية التي تشير الى ان سياسات فرض الضرائب الاخيرة لسداد عجز الموازنة لن تطال الفقراء ولن تؤثر على مستوى معيشتهم، وربما لن تكون سببا في إفقار آخرين، فالامر يتعلق بالاولويات، ومن الواضح أن أولوية الحكومة الحالية تكمن في معالجة ظرف مالي خانق ورثته عن سابقتها.

يحتاج الفريق الاقتصادي في الحكومة الى اجراء مكاشفة مع رجل الشارع، يجري فيها توضيح التوجهات الرسمية للوصول الى حلول انية ولاحقة للمشاكل التي يعاني منها الاقتصاد، وقد تتحدث الحكومة باتجاهات شتى لكن قدرتها على منع اتساع رقعة الفقر تبدو ضعيفة في الوقت الحالي، بخاصة وان مطالبات عديدة بضرورة اجراء جراحة قاسية – لكنها ملحة– لهيكل الانفاق العام في البلاد لم تلق الجدية التي تستحقها.

الوجه الاخر لتفشي الفقر كارثي في سياقه الاجتماعي والامني والسلوكي قبل الاقتصادي، والمأمول ان ينتبه الفريق الاقتصادي لتلك التحذيرات بوصفها خطا رئيسا في إعادة انتاج السياسات، لا ان تكون السياسات الجديدة سببا في تعميق معاناة الفقراء.