حراك المياه

حذرت دراسات عديدة، صدرت تباعا في العقدين الأخيرين، من أن شح المياه في منطقة الشرق الأوسط، والصراع على مصادرها، قد يؤديان إلى نشوب حرب إقليمية. وكان يشار إلى الأردن كطرف فيها نظرا لندرة مصادره المائية، وسيطرة أطراف أخرى في الإقليم على المنابع التي يتزود منها.اضافة اعلان
لكن هذه الدراسات لم تلتفت إلى خطر الحروب الصغيرة أو الاضطرابات الداخلية التي يمكن أن يسببها نقص المياه، خاصة في دولة مثل الأردن تحل في المرتبة الرابعة بين أفقر عشر دول مائيا في العالم.
الملف الذي أعده الزملاء في "الغد"، ونشرته الصحيفة أمس، حول أزمة المياه المتفاقمة الصيف الحالي، يكشف بوضوح أن مشكلة نقص المياه أصبحت أحد أهم مصادر تهديد الأمن والاستقرار الداخليين، وأن "حراك المياه"، وفي ظل أجواء الربيع العربي والأزمات السياسية والاقتصادية في البلاد، يكتسي وبامتياز طابعا سياسيا، وربما يكون الشرارة التي تفجر حركة احتجاج واسعة النطاق.
وشهدت بالفعل معظم مدن وبلدات المملكة سلسلة اعتصامات لا تتوقف احتجاجا على انقطاع المياه لأيام وأسابيع عن منازل المواطنين. واللافت أن أغلبية هذه الاحتجاجات تخللتها أعمال شغب وقطع طرق، واعتداءات على الممتلكات العامة.
يدرك القائمون على قطاع المياه خطورة الموقف. لكن مع العجز المتنامي في موازنة المملكة المائية، وتزايد الطلب على المياه، تبدو تدابير وزارة المياه وخططها عاجزة عن مواكبة الأزمة، وتوفير الاحتياجات لآلاف المواطنين الغاضبين والمحتجين.
ثمة حاجة إلى حلول استثنائية لتجاوز الأشهر الحرجة قبل وصول مياه "الديسي" إلى عمان ومدن أخرى في الثلث الأول من العام المقبل، كما صرح وزير المياه والري محمد النجار. وقد أشار لبعض هذه الحلول خبير المياه دريد محاسنة في تصريحاته لـ"الغد". المحاسنة دعا الحكومة إلى "الاستيلاء" على مجموعة من الآبار الخاصة للاستفادة منها للنفع العام، ووقف حفر آبار جديدة دون ترخيص.
بموازاة ذلك، يتعين على أجهزة الدولة أن تظهر إرادة أصلب في مواجهة الاعتداءات المتزايدة على مصادر المياه وخطوطها، والسيطرة قدر المستطاع على سرقة المياه المنتشرة بشكل واسع في مختلف المناطق، والتقليل من نسبة الفاقد.
إن الانفعال الذي نشهده على وجوه المحتجين جراء انقطاع المياه عن منازلهم مبرر ومشروع. وليتخيل أي واحد منا حاله إذا انقطعت المياه عن منزله يوما واحدا، فما بالك لو انقطعت أياما وأسابيع، خاصة في أيام الصيف اللاهبة؟!
ومعاناة الناس، كما تظهر من مقابلاتهم مع "الغد"، لا تقف عند مشكلة انقطاع المياه، وإنما تستمر في رحلة شاقة لتأمين صهريج مياه بأسعار مناسبة ونوعية نظيفة؛ فهناك شكوى مرة من ابتزاز من أصحاب الصهاريج، تضطر أغلبية المواطنين للخضوع له مقابل الحصول على حاجتها من المياه.
هذه الحال تولد غضبا وحقدا في قلوب الناس، وإذا ما اشتعل، فإن مياه الديسي لن تفلح في إطفائه.
المنطقة كلها تعيش صيفا عربيا ساخنا؛ من يريد من الأنظمة النجاة عليه أن يصب أطنانا من المياه لتبريد الشوارع الملتهبة.