حروب "الكرامة" و"تشرين" 2014

كل الحروب والمعارك لها شقّان: الأول، مع العدو الذي تُخاض ضده. والثاني، في الإطار الداخلي للأطراف المتحاربة. وغالبا ما تؤدي الحروب والمعارك، وبدرجات متفاوتة، إلى مراجعة موازين القوى والمكانات والعلاقات للأطراف المختلفة، فتؤدي إلى تعزيز أو تقليص أو إنهاء أو بداية قيادة معينة؛ القيادة المنتصرة تعزز مكانتها، والمهزومة تتراجع أو تنتهي، ويصعد بدلا منها، أو معها، قيادة جديدة (وهو ما يمكن تسميته إعادة تموضع سياسي). وقد تؤدي الحروب أيضا إلى تغيير المواقف السياسية للمتصارعين. والمفارقة أنّ الطرف المنتصر يصبح أحياناً أكثر مرونةً وبراغماتية في الموقف مع الخصم أو العدو.اضافة اعلان
تذكّر حرب غزة الأخيرة بحربين، أو بكلمات أدق بمعركة وحرب الكرامة 1968، وتشرين (أكتوبر) 1973.
في "الكرامة"، تصدى الجيش العربي الأردني وقوات المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً حركة "فتح"، للجيش الإسرائيلي. وبغض النظر عن تفاصيل الحدث والروايات بشأنه، فإنّه على الصعيد الفلسطيني الداخلي، تم اعتبار المعركة انتصاراً حققته حركة "فتح"، في وقت كان هناك قيادة رسمية أخرى للشعب الفلسطيني، هي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وأحمد الشقيري. وكانت من نتائج المعركة إقبال هائل على الانضمام لحركة "فتح" وزيادة شعبيتها، وإعادة تموضع سياسي تسلّمت بموجبه الحركة قيادة الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير. وبالقياس على تلك المعركة، يمكن توقع أنّ "حماس" تطالب بإعادة التموضع السياسي، وهي فعلا تطالب بذلك. لكن موقف حركة "فتح" هو أنّه على "حماس" ألا تدّعي أن الموقف متشابه.
من جهة ثانية، في حرب تشرين (أكتوبر) 1973، عندما انتصر المصريون بقيادة محمد أنور السادات، في الحرب التي خاضوها مع السوريين ضد الإسرائيليين، قدموا تنازلات كثيرة في معاهدات السلام مع الإسرائيليين، بعد ذلك بسنوات قليلة. وجوهر الفكرة هنا أنّ القائد الذي يعزز قوته شعبيّاً داخليّاً، يمكن أن يحظى بثقة أكبر تؤهله لاتخاذ مواقف سياسية مختلفة، قد تتضمن المزيد من المرونة والبراغماتية في الصراع، بعكس القائد الأضعف الذي قد يضطر أن يأخذ مواقف شعبوية، ويبدو متشددا سياسياً على الصعيد الداخلي. بالمثل، مستنداً لقوة انتفاضة 1987، وتعزز مكانته فلسطينيّاً حينها، قدّم ياسر عرفات تنازلات في أوسلو.
في العام 2014، من الواضح من قراءة الكثير من المواقف لدى حركة "حماس"، أنّها لا تطرح مواقف سياسية متشددة، وهي منفتحة على تسويات سياسية مختلفة مع الطرف الإسرائيلي، عبر قناة الرئاسة الفلسطينية. وتتعاطى الحركة مع مجمل القوى الإقليمية بمرونة، ومستعدة للكثير من التفاهمات مع القيادة الفلسطينية الرسمية الحالية، التي تتبنى المفاوضات من دون تردد. لكن الموقف السياسي لحماس لن يتضح تماماً، ولن يعني كثيراً، من دون أن تصبح شريكاً في القيادة الفلسطينية المؤسسية والرسمية.
ما يجري الآن من حملة غضب من قبل قيادة منظمة التحرير، ومن انتقادات كثيفة توجه لحماس، بشأن من يأخذ قرار الحرب والسلام، وبشأن من يمتلك القرار والحكم في غزة؛ هل هو "حكومة الوفاق" أم حكومة ظل حمساوية؟ والشكوى للدول العربية بهذا الشأن، يمكن أن نشاهدهما في إطار عمليّة محاولة رفض ومنع، أو على الأقل تقليص وتشذيب عمليّة إعادة التموضع القيادي داخل الصف الفلسطيني، أو على الأقل للتأثير في مفاوضات داخلية قد تتم لترتيب إعادة التموضع. ومن هنا يصبح ضرورياً الحديث عن أخطاء الحرب، وعن مسألة السلطة ومحاولة ممارستها في غزة خارج الأطر الرسمية الشرعية. ولعل سعي "حماس" إلى إعادة تموضع، وتقليل الحصار الدولي عليها، هو الذي يدفع قيادات في الحركة للوقوف في موقف الإنكار والدفاع الهادئ نسبيّاً، مقارنة بخطاب "حماس" الهجومي في الماضي؛ فهي تريد تفادي حالة مواجهة شاملة، تمنع مفاوضات إعادة التموضع الداخلي.
لم تنته المرحلة بعد، وربما تكون الانقسامات الراهنة جزءا من مخاض إعادة الترتيب، بقدر ما هي في إطار منعه أو معارضته من قبل القيادة الفلسطينية، وهذا يعقد المشهد الداخلي الفلسطيني.
هناك رفض لأنّ حرب غزة تشبه معركة الكرامة، وأنها تبرر إعادة تموضع سياسي؛ بل هناك دفع بأنّ من خاض الحرب (أو تسبب بها) أخطأ. ومن دون إعادة تموضع، يتقلص تشابه المعركة مع حرب 1973 على صعيد الموقف السياسي اللاحق للحرب.