حول تشويه ذائقة الجمهور

انشغلت وسائل الإعلام في أستراليا في منتصف شهر آب (أغسطس) الفائت، بمتابعة موضوع حظي باهتمام واسع في الشارع الأسترالي، ووصفه مراسل هيئة الإذاعة البريطانية بأنه كان الشغل الشاغل للأستراليين طيلة أسبوع. وتدور القصة حول حوت رضيع جنح إلى الشاطئ بعد أن تركته أمه، مثخناً بجراح سببتها هجمات أسماك القرش. وبذل الأطباء البيطريون ومسؤولو البيئة والمعنيون بالحياة البحرية جهوداً جبارة لإنقاذ حياة الحوت الرضيع، غير أنها انتهت بالفشل.

اضافة اعلان

الحوت الذي أطلق عليه الأستراليون اسم "كولن"، ظن أن القوارب الموجودة بالمنطقة هي أمه، وحاول الرضاعة منها. والمسؤولون عن إنقاذه فعلوا ما بوسعهم لإخراجه من الماء لتتبناه أنثى حوت وترضعه، غير انه ظل رافضاً الخروج. وفي إطار الجهود المبذولة تم استقدام أحد السكان الأستراليين الأصليين ممن يجيدون "همس الحيتان" لإقناع كولن بالخروج من الماء، واستجاب الحوت لغنائه ولكن إنهاكه كان أقوى منه.

وأخيراً، رأى الأطباء أن جهودهم لم تعد بذات جدوى، وقرروا إنهاء حياته بجرعة قاتلة، بعد أن "تعلقت قلوب وأرواح الكثيرين به"، كما عبَّر أحد مسؤولي حملة الإنقاذ.

اهتمام الأستراليين البالغ بالقصة جدير بإثارة أسئلة كثيرة هنا في العالم العربي، لعل أولها يتعلق بالأخبار والقصص التي تنال أكبر درجات الاهتمام من القارئ العربي، وهي لا تخرج- غالباً- عن أخبار الفضائح والتشهير والشذوذ النفسي والجنسي واغتصاب المحارم، والقصص التي يختلط فيها الجنس والدين والجريمة، أو التي تثير نعرات طائفية أو قطرية، وغير ذلك من المواد التي يتم تقديمها في إطار من الإثارة ومداعبة أحط الغرائز والشهوات.

يحلو للبعض وصف الجمهور العربي بأنه هو من يطلب هذه المواد، ويحرص على ملاحقتها، ويدفع وسائل الإعلام دفعاً إلى الاستجابة له على كره منها، سعياً وراء الشعبية وتوسيع دائرة المتلقين، وتحقيقاً للربح الذي هو هدف مشروع لأي وسيلة إعلام، باعتباره في النهاية "صناعة" كأي صناعة أخرى. ولكن الحقيقة أن وسائل الإعلام هذه هي من صَنَعَ ذوق الجمهور صنعاً، ودربه على استهلاك هذا النمط من المواد الرخيصة.

الذوق لا ينشأ في فراغ، وإنما يُصقل عبر مراحل مستمرة تتضافر فيها جهود الأسرة والمجتمع والمدرسة ومخططي المدن والمعماريين ووسائل الإعلام والفنانين وأجهزة الثقافة والفكر. لا يولد الإنسان وهو يتذوق الموسيقى الرفيعة، أو يدرك جمال اللوحات الفنية، أو يهتز للشعر الراقي، وإنما يجري تدريب ذوقه ووجدانه وعقله معاً على فك شيفرات الجمال في النغمة واللون والحركة والصوت. وتدريب الذوق عملية طويلة ومعقدة، وتكاد تكون مستمرة.

ولقد شهدنا عصوراً كاملة سادت فيها أنواع من الفن الرديء، ووجدت لها جمهوراً واسعاً يعتبرها آيات اكتمل لها الجمال في أبدع صوره وأزهاها، مما يعني أن ثمة ظروفاً تخلق الذوق وتتحكم فيه. صحيح أن فطرة الإنسان تعشق الجمال، لكن هذه الفطرة تفسد بما يطرأ عليها من عوامل التشويه، وتصدأ بفعل ما يتراكم فوقها من طبقات اعتياد القبح ومعايشته الطويلة.

وتلقي المواد الإعلامية يخضع، بدرجة كبيرة، للقواعد ذاتها، فهو يعتمد على تنمية ذائقة الجمهور وصقلها وتهذيبها، وتدريبها على معايير راقية يلزم أن تتوافر للمادة الإعلامية لكي تكون لائقة للعرض على جمهور المتلقين. وإذا كان القارئ العربي يتعرض منذ سنيِّ عمره الأولى إلى مستوى متدنٍ من المعالجات والقصص والأخبار التي تضغط على أكثر الجوانب سوءاً في الطبيعة البشرية، فإن مقاييسه تتشكل وفقاً لما تلقاه، وتتشوه ذائقته بحيث تصبح أقرب إلى النفور مما هو راقٍ وجميل.

لقد عاش الإعلام العربي زمناً يرزح تحت وطأة سيطرة الدولة عليه، وبات تجرُّع أخبار الرؤساء والقادة ومقابلاتهم، وابتلاع البيانات الرسمية بلغتها الميِّتة المميتة، قدراً مفروضاً على المشاهدين الذين لا يجدون وسيلة أخرى في ظل عدد محدود من ساعات الإرسال الإذاعي والتلفزيوني، وبضع صحف ومجلات لا يقرؤها أحد. وحين انفجرت ثورة الاتصال ولم تعد السياسات السابقة مجدية، برزت الخطة البديلة: خطة تفريغ الإعلام من مضمونه، وإطلاق طوفان الإسفاف والإثارة.

والحقيقة أنه من الصعب استبعاد دور التوجيهات الرسمية في تحديد المسارات التي اتخذتها وسائل الإعلام العربية المختلفة منذ منتصف التسعينيات، ولا يستطيع مكابر أن ينكر أن أموال الحكومات العربية (أي أموال الشعوب) هي الشريان الذي يضخ الحياة في وسائل الإعلام التي يحاول بعضها كذباً ادّعاء الاستقلال. وليس خافياً أن الإعلام الرسمي العربي صار ينافس القنوات الخاصة في الترويج لثقافة العري والابتذال والفضائح، بعد "تمهيد نيراني" كثيف أزال عنه الحرج، وسقطت معه حواجز سابقة كانت تفرض عليه بقية من حياء ورصانة. 

 صنع الإعلام في استراليا من الحوت "كولن" قصة توافرت لها عناصر الدراما المؤثرة: الطفولة المثخنة بالجراح، والأسنان القاتلة لأسماك القرش، والافتقار إلى الأمومة، وسباق الحياة والموت، والرجل الأسطوري الذي يحاور الحيتان بالغناء، والأطباء الذين يصلون الليل بالنهار في جهود الإنقاذ، والأم البديلة التي تنتظر على شاطئ قريب. قصة كهذه تمتلك عوامل النجاح، غير أنها- على بساطتها وحيادها وطابعها الإنساني- لا يمكن أن تكون لها نظائر عربية في ظل الإسفاف الذي يتسابق فيه الإعلام الحكومي والخاص.

لماذا؟ ببساطة لأن قصة من هذا النوع تنطوي على احترام حق الحياة، وتضافر كل الجهود لحفظ الروح التي هي من أمر ربي. هذه هي القيمة المتضمنة فيها، وهي بالضبط ما يمثل خطراً تتحسب له الجهات التي تريد لإعلام الفضائح أن يدوم ويزدهر. الحفاظ على حق الحيوان في الحياة يستدعي أسئلة عن حق الإنسان في الحياة، حقه في بذل كل الجهود من أجل سلامته وصحته وأمنه. ومن هنا فإن هذه القصة البريئة هي في حقيقتها قصة خطرة "وملغومة"، تخشاها دول وحكومات لا تقيم للحياة وزناً، وتنتهك حقوق شعوبها كل يوم، وتجد في إعلام الفضائح إحدى وسائل الدفاع عن بقائها الكريه.

*باحثة سياسية مصرية