حول حكومة الإصلاح

الحراك الذي أحدثته تفاصيل الثماني وأربعين ساعة من تشكيل الحكومة، كان طريفا في صورته المتجسدة في لهاث الصحفيين وراء آخر الأسماء المطروحة، وتم نحت مصطلحات جديدة في اليومين المذكورين، مثل "أسماء ثوابت" و"أسماء متغيرة" وجلسات تتراوح بين مكاتب الزملاء في اليوميات، ومقهى التمبكجي في شارع الصحافة العتيد!

اضافة اعلان

الكل حلل، وسمع تحليلات ونقلها من هنا أو هناك، وهي عادة عمانية صارت راسخة، وقراءات شتى في مغزى تكليف رجل أكاديمي متزن وصاحب خبرة علمية مثل الدكتور عدنان بدران، وهو الاسم المفاجأة بعد أن تداول الشارع أسماء شخصيات عامة أكثر حضورا على الساحة، لكن مما لا شك فيه أن هناك جو ارتياح عام وشامل إزاء تشكيل الدكتور بدران للحكومة.

قراءات متعددة، كان أهمها والمتفق عليه منها هو الحضور الطاغي لرجل الدولة السوبر مروان المعشر، مما أعطى نَفَسَ حياة لليبراليين والمطالبين بالإصلاح، والذين يعرفون أبا عمر جيدا، يدركون أن زخم المعرفة والخبرة المتراكمة لديه سيؤتي أكله الآن وهو ضابط الإيقاع بين القصر( رائد حركة الإصلاح) والحكومة الجديدة ذات البنية الإصلاحية كما تدلل على ذلك عدة مؤشرات.

المتداول أن الخارجية والداخلية كانا سبب التعجيل برحيل حكومة الرئيس فيصل الفايز، وإن صح ذلك، فإن مؤشرات الحكومة الجديدة تدل على نية إصلاح حقيقية في الملفين، الملف الخارجي ، وملف الاحتقانات الداخلية.

وزير الخارجية الجديد الدكتور فاروق القصراوي دبلوماسي  أكاديمي، وأحد أهم أساتذة فن الدبلوماسية، وهذا أكثر ما نحتاجه بعد حرائق اشتعلت من حولنا مردها إخفاقات "غير دبلوماسية"، وبلا شك أن وجود مروان المعشر وزيرا للبلاط يشكل رديفا أساسيا للخارجية الأردنية، وهو الوزير المعتق، والآن الأكثر قربا من جلالة الملك، مما يعني خطة عمل متكاملة ومنسجمة مع روح وثوابت الدولة الأردنية بمعناها الدبلوماسي الصحيح.

المؤشر الآخر في نية الحكومة الجادة في الإصلاح، يتمحور حول رجل دولة يكاد يجمع الأردنيون على شعبيته ونزاهته، طوال سنين خدمته العامة مديرا لدائرة الأحوال المدنية والجوازات، قادما إليها ضابطا متقاعدا خدم بشرف ونزاهة في جهاز المخابرات العامة، والمقصود معالي عوني يرفاس، وزير الداخلية، والاسم الأكثر شهرة بين الأردنيين نظرا لأن توقيعه واسمه مثبتان على كل هوية أحوال مدنية كما قال الزميل يوسف غيشان ذات مقال.

الاحتقانات الداخلية والتي لا بد أن نقر بوجودها قبل معالجتها تحتاج رجلا مثل يرفاس، كانت خدمته العامة مثالا يحتذى على خدمة رجل الدولة النزيه والمترفع عن الصغائر، ولا يوجد أردني راجع الأحوال المدنية إلا وشاهد سياسة الباب المفتوح التي طبقها الباشا المتقاعد برزانة وهيبة رجل الدولة، وهو القانوني الذي يلتزم نص القانون، ويطبق روحه باجتهاد يحفظ الحق، فما أحوج الأردن في ظل أزمة نقاباته إلى رجل بلا شك يحمل احترام الجميع، ولا يزال يحتفظ بهيبة الدولة الأردنية التي اكتسبها بخبرة العمل المتفاني.

أكثر من زميل ومراقب أكد أن دخول عوني يرفاس إلى الحكومة، مؤشر حقيقي للإصلاح الداخلي، والإصلاح الداخلي له صيغة أمنية محترمة ولائقة، ولمحات أخلاقية مهيبة، لا يحملها إلا رجال دولة من طراز معاليه.

إن هذا التمازج بين رجال دولة هم رواد الإصلاح مثل الدكتور المعشر والدكتور باسم عوض الله، ورجال دولة راكموا الخبرة والانتماء وعجنوها بمتطلبات العصر مثل عوني يرفاس، وبقيادة رجل دولة أكاديمي وليبرالي مثل دولة الرئيس الدكتور عدنان بدران، تشكل صيغة عصرية للأردن العصري والمتجذر بقيمه وثوابته الوطنية، وهي صيغة تنسجم مع متطلبات الناس التي سئمت وضجرت، وارتاحت إلى حد ما لحكومة إصلاح وطني حقيقية، وهذه الحكومة كما نتمنى حكومة رجال دولة، حكومة جلالة الملك.