حيتان السوق: متى الخلاص؟

في كل عام وتحديدا في شهر الصيام يبدأ الحديث حول الممارسات الاحتكارية التي تهيمن على سوق اللحوم، والتي لم تنجح أية حكومة في القضاء عليها.
التجربة الوحيدة لكسر احتكار السوق تمت من قبل حكومة نادر الذهبي، وفي عهد وزير الصناعة السابق عامر الحديدي، عبر إنشاء الشركة الوطنية للأمن الغذائي التي استطاعت أن تستورد المواشي الحية من دول مختلفة، وتمكنت بذلك من التخفيف من هيمنة البعض على سوق اللحوم من دون منافس.اضافة اعلان
ويبدو أن القوة والسلطة التي يمتلكها حيتان السوق مكنتهم خلال العام الحالي من قتل فرص الشركة الوطنية لاستيراد المواشي الحية التي ساهمت بشكل كبير في استقرار أسعار اللحوم الحية في السوق المحلي، وأحدثت توازنا إلى حد ما في الأسعار. الفشل الحكومي في كسر السيطرة على السوق التي تضر بجيوب المواطنين، له اكثر من تفسير: الأول وجود شبهة تواطؤ حكومي حيال الملف، خصوصا وأن ملاحظات كثيرة تنقل من الاجتماعات المغلقة تكشف الكيفية التي يتعامل بها المسؤولون مع الجهات المسيطرة على السوق.
والثاني يرتبط بعدم فهم تفاصيل السوق ومفاتيحه، الأمر الذي يخلق تخبطا حكوميا في آليات إدارة هذه السوق مثل تقديم الإعفاء الجمركي خلال الفترة الماضية عن المواشي الحية المستوردة والتي لم تنعكس على حياة الناس ولم يستفد منها إلا التجار.
وثمة من يحاول خداع الحكومة والمستهلك من خلال التأكيد على أن سعر اللحوم الحية المستوردة انخفض ليبلغ 6 دنانير، لكنه في الوقت نفسه لم يكشف عن أن هذه اللحوم ليست إلا لحوم مستوردة لكن ليست حية يتم استيرادها على متن الطائرات من ثلاث دول هي السودان ورومانيا واستراليا (دبي) ولم تشمل بقرار الإعفاء الأخير.
الحقيقة الكاملة أن سوق اللحوم الحية المستوردة ما تزال تواجه ممارسات احتكارية وهيمنة وغشا والتفافا، يكشف عورات سياساتنا أمام ضعف حيلة المستهلك الذي يذهب ضحية لطمع بعض التجار.
 والمشكلة ليست في ممارسات بعض التجار بل في الصمت الحكومي المطبق، لدرجة تجعلنا لا نسمع صوت المسؤولين إلا لنفي أخبار وتقارير تفضح القصص الخطيرة التي تقع في سوق اللحوم.
آخر هذه القصص قضية اللحم الأثيوبي التي نشرها الزميل طارق الدعجة في ملحق سوق ومال والتي تؤكد المصادر دقتها لناحية ارتكاب تجار مستوردين للخراف الحية لمخالفات "جريئة" من شأنها أن تضرب كل خطط الحكومة التي أعلنتها لمحاربة الاحتكار وارتفاع أسعار اللحوم بعرض الحائط.وتبدأ سلسلة المخالفات التي يرتكبها بعض تجار اللحوم من تسريب الخراف المستوردة من أثيوبيا إلى حظائر الخراف البلدية وذلك من أجل ذبحها في هذه الحظائر وبيعها على أنها لحوم بلدية بهدف الاستفادة من فارق السعر بين النوعين. ارتكب التجار مخالفات أخرى يتمثل أهمها باستيراد الخراف الأثيوبية شبيهة الشكل بالخراف البلدية حتى يسهل على هؤلاء التجار خداع المستهلكين من خلال بيع اللحوم الأثيوبية على أنها لحوم بلدية.
ويجني التجار أرباحا طائلة من خلال بيع اللحوم المستوردة على أنها لحوم بلدية؛ إذ يبلغ فرق السعر بين الاثنين حوالي 3 دنانير للكيلو الواحد.
ظروف غريبة تحيط بفتح باب استيراد المواشي الأثيوبية بدأت بسفر وفد حكومي للكشف عن المواشي تحملت نفقاته شركة كبرى في سوق اللحوم، كان آخر "المهازل" إضاعة ملايين الدنانير على الخزينة نتيجة الإعفاءات تبين زيفها من خلال السعر المعلن للخروف الحي الأثيوبي بسعر 85 دينارا للخاروف وزن 25 قائم.  وبحسبة التجار، يوفر الخاروف صافي لحوم مقدارها 40  % من الوزن القائم أي ما يعادل 10 كيلو غرامات في الحالة السابقة مضافا إليها كلف الذبح والسلخ ما يعني أن سعر كيلو اللحم الصافي يتجاوز 9 دنانير أي بسعر اللحم البلدي، فأين المنافسة وأين الوعود بحماية المستهلك؟.