"خديجة".. وآذار!

لا نهاية للجدلية التاريخية بين الذكورة والأنوثة. ولم تتمكن البشرية يوماً من حسم العلاقة بين طرفي هذه الثنائية المتعارضة/ المتكاملة، لتصبح أمراً مسلماً به. وهناك دائماً في عنوان المعادلة بين الطرفين: "نضال المرأة من أجل التحرر"، أينما دار حديث عن هذين التجليين للجنس البشري.اضافة اعلان
وهكذا، تشترك المرأة الفلسطينية –موضوعياً- في مفاوضة المرأة الصعبة مع العقل الأبوي الكوني المطلق، ثم في مناجزة العقل العربي البطريركي الصعب بطريقته الخاصة، ثم فوق ذلك أيضاً: معاناة شكل مخصوص من الصراع الظرفي الذي يختبره شعب مستهدَف ومُحتجز الحريّة جميعاً. ولا شك في أن هذا الشكل الأخير من الخبرة أثقل كاهل المرأة الفلسطينية بحمل إضافي لا تختبره شقيقاتها النساء اللواتي يعشن خبرة نضال التحرر "الطبيعي".
لمختلف الأسباب، نشأت علاقة معقدة فريدة بين المرأة الفلسطينية والأرض. ولا يستطيع المتأمل سوى ملاحظة المصادفة الزمنية بين يوم المرأة ويوم الأرض في آذار. وتحيل التأملات في هذه العلاقة إلى بدايات النكبة، حين وجد الفلسطينيون المشتبكون في صراع وجودي مع عدو لا يرحم أنفسهم أمام ضرورة حسم خيار وضعته الأحداث في طريقهم بالقوة: "العرض أم الأرض؟!". وأتصوّر أن الذهن الفلسطيني الذكوري والقروي اختار المُتاح القريب، وبلا كثير تفكير في العواقب: "العرض قبل الأرض". وقد عنى ذلك، عمليّاً، حزماً سريعاً لما يمكن حمله من الأمتعة، والفرار "بالعرض" خوفاً من احتمال تعرض النساء للاغتصاب. ولم يكن العقل البسيط الراكن إلى الهدوء النسبي قبل المواجهة الحاسمة، والمعتقد بمبدأ "الحريم" والمسؤولية عما استُؤمن عليه، يستطيع أن يذهب أبعد من الحلّ الآنيّ. لم يفهم أن الرجل يُصبحُ موضوعاً للاغتصاب هو أيضاً حين يُصبح محتلاً، ولم يتصوّر كل أشكال "الاغتصاب" التي يمكن أن تصادفها أمه وأخته وابنته وزوجته، عندما تُصبح لاجئة مطرودة، جائعة، أو في متناول الاحتلال والاعتقال. وباختصار، تبينّ أخيراً أنه لا معنى للحديث عن "عرض" بلا أرض. وبعد كل هذا الفُقدان، لا أتصوّر أن هناك امرأة تحسّ بأنها مستباحة –بمختلف الأشكال- أكثر من المرأة الفلسطينية.
تلح على الذهن في هذه اللحظة عبارات محمود درويش في قصيدة "الأرض"، التي تعقبت نوع التماهي الفطري بين المرأة الفلسطينية والأرض: "في شهر آذار، مرّت أمام البنفسج والبندقية خمسُ بنات. وقفنَ على باب مدرسةٍ ابتدائيةٍ، واشتعلن مع الورد والزعتر البلدي. افتتحن نشيد التراب، دخلن العناق النهائيّ –آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض، يأتي، ومن رقصة الفتيات... أنا الأرضُ، والأرضُ أنتِ...".
في كل الأحوال، ما يزال مقتل الفلسطينيات، أو اعتقال الفلسطينيات، أو مشاهد جنود الاحتلال وهم يجرّون فلسطينية من شعرها، حدثاً موجعاً بشكل خاص. وبغضّ النظر عن علاقة ما في قاع الوعي من رواسب فكرة "العرض والأرض"، فإنّ معاناة المرأة الفلسطينية على هذا النحو تجعل الرجل الفلسطيني يحس بكَم هو مُهان القُذال بقدر مضاعف. وفي الحقيقة، تحيّرني فكرة: هل يُناسب الفلسطيني أن يقدم لأمه أو حبيبته وردة حمراء أو بيضاء في يوم المرأة؟ هل يجرؤ على الاحتفال بهذا الوجود المعذب للمرأة الفلسطينية؟ لا شكّ في أنّها في أول صفّ اجتراح مآثر النضال على طريق تحرر المرأة -والإنسان. ولذلك بالتحديد، تصعب مواجهة السؤال عن التقدُّميّة ونصرة القضية النسائية حين تُترَك الفلسطينيات منشغلات عن عيد آذار بخوض العراك اليوميّ المطوّل.
أعتقد أن المرأة الفلسطينية هي الأقل عَوزاً إلى المناسبة السنوية حتى تتأمل –أو نتأمل- عوزها إلى ما تفتقده المرأة. ثمة، فوق الاستبداد البطريركي، حقيقة الزوج المعتقل أو الذي بلا عمل، والابن المهدد، والابنة المهددة. وثمّة أيضاً ذلك الإحساس المضني الملازم للمنفيّ الذي لا يُعزَف نشيده الوطنيّ مثل الآخرين. وحتّى وردة 8 آذار، ربما لا تحمل للفلسطينية نفس المعنى، لأنها غالباً ما تكون مقطوفة من حقول الآخرين.
من المصادفات الفلسطينية أن يولد محمود درويش في آذار، وأن يشارك في الحوار القدَري بين المرأة الفلسطينية والأرض وآذار بتلك المداخلة الواعدة التي تراوح بين الألم والأمل: "خديجة! لا تغلقي الباب، لا تدخلي في الغياب. سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويلْ. سنطردهم من هواء الجليلْ".

[email protected]