خريطة التقسيم الطائفي في العالم العربي

سؤال المستقبل هو المقلق عند عامة الناس في العالم العربي، بعد أن تحول الربيع العربي الذي انتظرناه طويلا إلى خريف، ووعود الحرية والديمقراطية استبدلت بحكم مستبد وحروب طائفية.اضافة اعلان
نعم سؤال المستقبل هو المقلق؛ ماذا بعد؟
ماذا بعد أن وصل تنظيم "داعش" بالتحالف مع البعثيين السابقين وعشائر السنة إلى أبواب بغداد، وماذا سيحدث بعد أن فاز الرئيس بشار الأسد وهو لا يسيطر على أجزاء كبيرة من سورية بالانتخابات الرئاسية، وماذا سيحدث في مصر بعد فوز الرئيس السيسي واستمرار لعبة "عض الأصابع" بين السلطة والإخوان، وإلى أين تمضي ليبيا التي تسودها الفوضى، واليمن الذي لم يخرج من عنق الزجاجة، وفلسطين التي يستبيحها الاحتلال الإسرائيلي، وأصبح حديث السلام طي النسيان في ظل هذه الانهيارات العربية؟!
بالتأكيد لا تبدو الصورة مبشرة، ويظهر بأننا أمام مرحلة فك وتركيب للعالم العربي تتجاوز تغيير الأنظمة الحاكمة والصراع على السلطة إلى ظهور كيانات جديدة، لا يهم ما ستحمله من أسماء أو الاعتراف الدولي بها، ولكنها على أرض الواقع موجودة وتؤشر إلى طبيعة الصراع والاستقطاب.
في العراق توقفت "داعش" وحلفاؤها على أبواب بغداد، ولم يتقدموا نحوها، وعند حدود الشمال لم يزحفوا باتجاه سلطة الأكراد ولم يصطدموا معهم حتى حين تمدد "البشمركة" للسيطرة على كركوك، والأميركان والأوروبيون لن يتدخلوا عسكرياً للإطاحة بـ "داعش" وإنقاذ رئيس الوزراء العراقي المالكي، بل طالبوه بالعمل على التفاهم مع مكونات الشعب العراقي، وحتى إيران الحليف الرئيسي للمالكي لم تكشر عن أنيابها.
ما يحدث الآن في العراق هو البحث عن بديل مقبول للمالكي، وتطرح على الطاولة أسماء متعددة من الزعامات الشيعية، ولكن هل ذلك مقدمة لتغيير "دراماتيكي" على نحو دحر "داعش" وإعادة سلطة الدولة المركزية في عموم العراق؟
باعتقادي وأتمنى أن تثبت الأيام خطأه، فإن العراق يمضي لترسيم تقسيم طائفي غير معلن وليس مشرعنا بقوة القانون، فهنالك دويلة قائمة للأكراد في الشمال، والآن "داعش" وحلفاؤها يصنعون سياجاً لكيان "سني" لهم، والشيعة ينطلقون من بغداد باتجاه الجنوب منفتحين تماماً على إيران المسيطر الأول على الواقع العراقي.
لا تحتاج هذه الدويلات إلى اعتراف دولي وسفارات، فهي تملك السلطة والسلاح والمال، ولها قواعد شعبية داخلية، ودعم إقليمي يعبر عن صراع النفوذ لدول المنطقة، وهوس دولي بفوضى خلاقة للحفاظ على مصالحه مهما كان الأمر.
ما ينطبق على العراق يمكن سحبه على الوضع بسورية، وربما بمقاربة مختلفة قليلا، فنظام بشار الأسد الذي أعاد التموضع والسيطرة بشكل أفضل على الداخل السوري، ربما يواجه نفس سيناريو التمدد الطائفي خاصة في ظل ضعف قوى المعارضة الديمقراطية، فالنصرة، و"داعش" هما الأكثر تنظيماً على الأرض، ورغم خلافهما المعلن فإنهما يعبران عن التحشيد "السني" في مواجهة السلطة "العلوية" كما يظهر في تصنيف أدبيات الصراع.
لن يحسم أي طرف الصراع في سورية بعد استبعاد أي تدخل عسكري، وفي أحسن الأحوال سيستقر المشهد في الميدان على مناطق سيطرة "وجيوب"، خاصة إذا تم تدريب نوعي للمعارضة في الأشهر القادمة.
دول الثقل العربي العراق، وسورية تدمر وتقسم، وحتى تعود تحتاج إلى عقود، ومصر الرافعة الأساسية ستجد نفسها بين رحى الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والتي تهدد قدرتها على الالتزام بتأمين احتياجات مواطنيها والدولة، وفي اتجاه آخر انقسام سياسي ليس مرشحاً للحل، بل إن المعالجة الأمنية والقبضة العسكرية، وأحكام القضاء التي لم تحترم معايير المحاكمات العادلة ستزيد من عمق الصراع والتجاذبات، فهذا يعني أن مصر ستكون في أضعف حالاتها مهما وجدت مناصرين وداعمين.
خريطة العالم العربي في واقع الحال لم تعد ما صنعته "سايكس بيكو" وإنما مزيد من التهشيم لمفهوم الوحدة وتعميق للتحالفات الدينية والطائفية والقبائلية، وما هو قادم أخطر، فأحلام الناس بدول مدنية ديمقراطية، وعلمانية تتحقق فيها العدالة والمواطنة وسيادة القانون تذوي وتنهار لتسود دول فاشلة يحكمها الفساد والصراع الطائفي والاثني، وهو ما يبعد هذه الدول وشعوبها عن ركب الحضارة، والتنمية المستدامة، والتحكم بثرواتها؛ لتظل خاضعة لأقليات حاكمة وعالم نهم لا يعرف إلا مصالحه!