خيار جهنم

 

كما لو أن مجمعا لأمراء الظلام، ملوك الموت، سادة الشرّ، مختلّين خرافيين، اتخذ قراره، وفي اليوم التالي كانت شوارع وساحات بغداد تمتلئ بالدم والدمار، بالأشلاء الممزقة، بالأنين والصراخ والسيارات المحروقة. من يقوى على هذا القتل المجّاني العشوائي لأطفال ونساء وشيوخ ورجال كادحين من دون قضيّة أو خصم بعينه أو هدف  سوى القتل وإثارة الرعب كهدف بذاته!! لكن التحليلات لا تتحدث عن مجمع شياطين كارهين للبشر متعطشين للدم، بل عن أجهزة ودول وأطراف تحركها مواقف ومشاريع سياسية! من المرعب التفكير أن ثمّة اناسا في موقع القرار الخلفي -أي الأمني- هم بهذه السوية العقلية – الأخلاقية فيكون رأيهم  التالي مثلا: يجب أن يظهر أن الأمن انهار بانسحاب القوات الأميركية، فيقررون صنع بضعة مجازر كبرى في المدن! هكذا بكل بساطة!! من أراد ذلك؟ إيران؟! سورية؟! لست مقتنعا أن لسورية أو حتّى إيران سببا وجيها، فسورية في أحسن أوقاتها الآن ولا تحتاج أن تضغط بهذه الطريقة على الولايات المتحدة، وإيران ليست متضررة من الانسحاب الأميركي من المدن مع تلاشى شبح الخيار العسكري الأميركي في ظلّ إدارة اوباما. يمكن استنباط أي سبب وفق المصلحة السياسية لكل طرف في مواجهة أطراف أخرى، وهناك تحليلات تتهم أطرافا مناوئة للمالكي ومنافسة له في الوسط الشيعي، وهناك فرضية مثل اجبار القوى الشيعية على إعادة الاصطفاف طائفيا معا في الانتخابات القادمة بعد أن تعمق انقسامها وتوجه المالكي الى صياغة ائتلاف مختلف غير طائفي، ويمكن استخراج مائة سيناريو آخر، وفي الساحة العراقية تدخل التحليلات كلها سياق المناكفة الداخلية حسب المصلحة السياسية، ولا يعدم كل طرف وضع تحليل يؤدي في نهاية الخيط الى خصوم لهم المبرر والمصلحة في صنع "الأربعاء الدامي"، وتبقى الحقيقة المفجعة أن الاستعداد للقتل الوحشي وصنع المجازر موجود بوفرة في عراق اليوم بتدخلات خارجية مباشرة أو غير مباشرة أو من دونها وبما يلقي ظلالا كئيبة جدا على فرص العراق في السلام، ولا تبدو القوى العراقية بقادرة على تجاوز ذاتها وتقديم تنازلات والإقدام على مساومات خلاّقة، بالعكس يسارع كل طرف يشعر بالخسارة وعدم الرضا عن حصّته أو دوره الى قرع طبول الحرب.

اضافة اعلان

إنه خيار جهنم للعراق، وفي تقديري المتواضع أن القاعدة وأخواتها هي المسؤول المرجح عن التفجيرات الأخيرة وليس أي طرف آخر ولسبب واضح؛ وهو ضرورة ان لا يظهر ان الحكم ممكن من دون القوات الأميركية. يجب أن تبقى القوات الأميركية ويجب أن تبقى الحرب الطائفية حتى تبقى القاعدة. والارهاب كان قد خسر كثيرا وتراجعت قواه ويعود الفضل بدرجة كبيرة الى الصحوات لكن حكومة المالكي والائتلاف الحاكم اختارت تحجيم الصحوات مع اقتراب الانسحاب الأميركي بدل دعمها واستيعابها كلها في الجيش والأمن، ومن الواضح أن القاعدة استفادت من هذا واستعادت بعض القوّة ولعلها تلقت دعما جديدا، أمّا الفشل الأمني فتتحمل مسؤوليته الأطراف الحاكمة ويجب المحاسبة عليه، ذلك أن المحاصصة الميلشياوية للأمن بين اطراف الائتلاف الحاكم هي وراء هذا  الفشل المهني الخطير.

خيار القاعدة هو خيار جهنم، لكن المشكلة أن جميع القوى الأخرى لا تفعل الشيء الصحيح لمنع انزلاق العراق الى هذا الأتون المرعب.