"داعش" 2020!

بات واضحاً تراجع قدرة تنظيم "داعش" على التوسع والانتشار العسكري في سورية والعراق. ووفقاً لتقديرات عسكرية، خسر التنظيم 50 % من أراضيه في العراق، وأكثر من 40 % في سورية. كما خسر قيادات الصف الأول. والأهم من هذا وذاك، الهالة التي أحاطت به في البداية، إذ أصبح في حالة دفاع وتراجع، لا هجوم ومبادرة!اضافة اعلان
كل ذلك صحيح. لكن هل هذا يعني أنّ "داعش" لن يكون موجوداً في العام 2017؟ وهل ستتمكن القوات العراقية (وقد بدأت بإسقاط منشورات على أهل الموصل تحضيراً للمعركة الحاسمة) من إنهائه في العراق؟ وكذلك هو السؤال بشأن تمكن القوى الدولية والإقليمية (الولايات المتحدة وحلفاؤها، وروسيا وحلفاؤها) من إنهائه في الرقة؟
من وجهة نظري الأمر مستبعد لأكثر من سبب. لكن أخطر ما يحدث اليوم في معركة الفلوجة هو الانطباع المرعب الذي يتشكّل لدى "العراقيين والسوريين" السُنّة، مما قد يحدث لهم في اليوم التالي في حال خسر تنظيم "داعش" وسيطر خصومه على المناطق التي كان "يحتلها".
لذلك، ليس غريباً أن نجد المواقع المرتبطة بالتنظيم على شبكة الإنترنت، مستغرقة في بث الفيديوهات والصور التي تكشف خطورة ما يقوم به "الحشد الشعبي" في العراق ضد السكان المدنيين واللاجئين، والإذلال الكبير لهم. وهناك تقارير دولية؛ لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" تحديداً، تتحدث عن مخاطر مجازر حقيقية وعمليات سحل وقتل وذبح طاولت المئات حتى الآن من السكان النازحين من الفلوجة.
صديقة إعلامية عراقية علّقت غاضبة (على صفحتي الخاصة)، قبل أيام، على تلك الأخبار الواردة حول ما يقوم به "الحشد الشعبي"، ورأت أنّها مفبركة وغير صحيحة، وتحدثت عن الروح الأخلاقية والإنسانية العالية للحشد، وعن قصص أخرى حول ذلك مغيّبة في الإعلام العربي.
كلامها قد يكون صحيحاً جزئياً في تعامل بعض فئات "الحشد" مع بعض النازحين. لكن لا يمكن، أولا، إنكار التقارير الدولية التي تتحدث عن مجازر وعن انتهاكات صارخة. وثانياً، فإنّ تعامل "الحشد" أو الدولة مع ما يحدث في الفلوجة من المفترض أن يكون إيجابياً -من الناحية المنطقية والعقلانية- لأنّ هذا واجب الدولة من جهة، ولكسب الرسالة الإعلامية من جهةٍ أخرى، في مواجهة "داعش".
لكن ما حدث، للأسف، هو عكس ذلك تماماً. فالرسالة التي وصلت إلى المواطنين العراقيين هي تلك التي يريدها أبو بكر البغدادي تماماً، والتي لخّصها الزميل مشاري الذايدي بـ"إما الموت كريماً أو السحل ذليلاً"!
نتائج معركة الفلوجة السياسية والنفسية والإعلامية، قد تكون أخطر بكثير مستقبلاً مما نشاهده حالياً على الأرض. وهي أكبر خدمة يمكن تقديمها لتنظيم "داعش"؛ إذ حتى لو خسر معركته العسكرية، فإنّه سيربح في عملية استدامة التربة الخصبة لنمو مشاعر الكراهية والانتقام والطائفية في مواجهة ما يعتبره الطرف السُنّي العراقي والسوري هيمنة إيرانية على هذه المجتمعات والدول!
ما هو أكثر خطورة من كل ما سبق، وبالنسبة لي أمر مرعب جداً، أن تقرأ مقالات لنخبة من الكتاب العرب الليبراليين أو الرسميين تعمّق هذه الاستنتاجات والانطباعات، مثل مقال الكاتب الليبرالي المعروف حازم صاغية، بعنوان "إذلال السُنّية العربية"، ليصف ما يحدث بـ"المذبحة السُنّية".
الأفكار نفسها نقرأها في مقال لإياد أبو شقرا الذي يرى ما يحدث بوصفه حرباً على السُنّة العرب، ومشاري الذايدي الذي كتب مقالين؛ الأول "حتى لا يعود البغدادي"، والثاني "الحرب على السُنّة العرب". فإذا كانت النخبة العربية الليبرالية والعلمانية وصلت إلى هذه الخلاصات، فما هي حال الشريحة الاجتماعية الواسعة من المجتمع، والتي هي أكثر عاطفة وتأثراً بما تشاهده؟! عندها لا تفكّروا في مصير "داعش" 2017، بل علينا القلق من مصير مجتمعاتنا مع "داعش" في العام 2020!