دكان الاقتصاد!

الدعوة التي تبناها صندوق النقد الدولي للبلدان المستوردة للنفط، والمستفيدة من التدهور غير المتوقع لأسعاره عالمياً، تكتسب أهمية كبيرة، كونها دعوة تتزامن مع قراءة للمؤسسة الدولية تؤكد حالة عدم يقين تلفّ التوقعات بشأن هذه الأسعار.اضافة اعلان
"الصندوق" يعلم أن تراجع أسعار النفط ليس أبدياً. لذا، يلزم على الدول المستفيدة من الحدث استثماره بشكل حقيقي وفعال في معالجة مشكلات مزمنة على رأسها البطالة، والتي يتبعها منطقيا التخفيف من الفقر والعجز والدين، وغيرها من المعضلات الاقتصادية.
ومن ثم، قد تكون العبارة الأخيرة لمدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في "الصندوق"، أحمد مسعود، فيما يتعلق بالدول المستوردة للنفط، هي الأهم، إذ دعا إلى العمل على وضع حلول لمشاكل البطالة في هذه الدول. فمسعود يعلّق الجرس للحكومات للانتباه إلى المشكلة الأهم التي تعاني منها، وهي البطالة.
المسؤول الدولي يؤكد أن البطالة تبقى التحدي الأكبر أمام المنطقة، والتي لن تجد طريقها إلى الحل إلا بتحقيق نمو مرتفع ومستمر، يسمح بخفض ملحوظ في مستوى البطالة، كما رفع مداخيل السكان.
والحل من وجهة نظره يتلخص في استغلال فترة انخفاض أسعار النفط لتكثيف جهود الإصلاح الاقتصادي، وتحسين بيئة الأعمال والحوكمة والتعليم، كما تعزيز التكامل التجاري.
وبرأيه، سيساعد تحقيق تقدم ملموس في هذه المجالات على إعطاء دفعة للإنتاجية، وخلق المزيد من فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة، وتوسيع نطاق النمو ليشمل الجميع.
تقييم المؤسسة الدولية لخطورة وأبعاد مشكلة البطالة، يقابله محليا إدراك لحجم هذه المشكلة التي صنّفها الملك على أنها التحدي الأكبر الذي يواجه البلد. وقد جاء ذلك في أكثر من مناسبة، كان آخرها خلال اجتماع جلالته بأعضاء من مجلس الأعيان.
والحقيقة أن الحل أيضا معروف. لكن الأصعب من العثور على الحل تلمّس الطريق إليه، وهي المتمثلة في جذب الاستثمارات ذات الدور الكبير في خلق فرص العمل، ومكافحة ظاهرتي الفقر والبطالة.
الاعتراف بفداحة المعضلة الاقتصادية التي يعاني منها البلد مسألة تتفق عليها مختلف مراكز صنع القرار في الأردن. كما أن المؤسسات الأممية تدرك هذه المعضلة، وتحذر صراحة من تبعاتها. لكن الأهم هو أن تدرك ذلك السلطة التنفيذية، التي عليها الاعتراف، بالتالي، أن الاختبار الحقيقي الذي ستخضع له إنما يرتبط بمدى قدرتها على استثمار تراجع أسعار النفط، وتحقيق الاستفادة القصوى منه، وبحيث تتمكن هذه السلطة، ربما بعد عامين، من إحداث فرق في حياة الناس، عجزت عن إتيانه حتى هذه اللحظة، هذا إن لم تكن قد ساهمت بقراراتها الصعبة في تدني مستوى حياة الناس، لاسيما عبر الاستعانة بجيوبهم لحل مشكلاتها، فيما تعجز هي عن حل مشكلات المجتمع، وعلى رأسها البطالة.
خلال السنوات الماضية، ظلت الحكومة مشغولة بالإصلاحات الرقمية، بحجة أزمة الطاقة التي كبدت الخزينة الكثير من الخسائر، بيد أن هذا التحدي يكاد يتبخر، وظلت تختبئ خلف هذا التحدي في تبرير إخفاقها في موضوع التنمية، وتحسين حياة الناس، والشعور بالضيق الذي يمر به المواطن.
خلال الأشهر الماضية، لم نسمع من الحكومة عما هي خطتها لاستثمار الظرف المؤقت بانخفاض أسعار النفط عالمياً. بل كل ما سمعناه رسميا يتعلق فقط بحجم انخفاض إيرادات الخزينة من ضريبة المحروقات، كما انخفاض قيمة فاتورة الطاقة، وفاتورة دعم المحروقات. ولعل ذلك يعكس عقلية الحكومة التي تتصرف كمن يدير مشروعا صغيرا بحجم بقالة أو "دكان"؛ فتنشغل بتقدير الربح والخسارة الآنيين، فيما التنمية المستدامة للوطن تظل أفكارا ووعودا موضوعة على الرف!
كثيرة هي الفرص التي ضاعت، وأكثر منها المليارات التي أنفقت بلا جدوى، فهل تحسّن الحكومة استثمار فرصة تراجع أسعار النفط، لإحداث نقلة ملموسة في الاقتصاد.
بانتظار أن نسمع من الحكومة خطتها بعيدا عن حسابات الربح والخسارة، بلغة تنموية هذه المرة.