دورة الدولة الريعية

 شكل ظهور الدولة الوطنية في العالم العربي مشروعاً اجتماعياً وسياسياً، أذكى طموحات وآمال قومية، استمدت عزيمتها من فكرة المشروع النهضوي العربي، الذي سبق وأن انطلقت ارهاصاته الأولى قبل أكثر من قرن من الزمان، وعبّر عن مرحلة تاريخية انعشت الحلم العربي، وهي المرحلة التي ساهمت  في بلورة الوعي والتاريخ المعاصرين، اللذين تمثلا بالوحدة والتقدم، وكذلك بتحقيق الاستقلال التاريخي للذات.

اضافة اعلان

مرت اكثر من خمسين سنة على عمر الدولة الوطنية، ومايزال من الصعب التحقق من القول أنها اصابت نجاحات جوهرية وحاسمة في مجالات عديدة – دع عنك الطفرة الحداثوية – بل إنّ الصحيح انها تحولت إلى مولد للازمات الاجتماعية والسياسية، سواء على صعيد الديمقراطية والحريات، او على صعيد الفقر وخرافة التنمية المستدامة، التي كانت الراعي الرسمي للدولة الريعية.

كانت الأزمة الذاتية للدولة الوطنية تتمثل في بعدين، ما يزالان يتحكمان في مسيرتها، الاول هو النخب السلطوية القبلية الفكر والتوجه، والثاني هو تأبيد فكرة العلاقة الريعية في فلسفة العقد الاجتماعي الافتراضي، بين الأفراد والدولة، الامر الذي حطم البنى الاقتصادية الانتاجية. فالريع كان يستخدم اما للثروة او للرشوة وشراء الولاء. ومن جانب ثانٍ، فقد استبعدت عمليات التحول من حالة المجتمع الأهلي إلى حالة المجتمع المدني – السياسي – الاقتصادي والإنتاجي.

تكرّس نمط الدولة الريعية بامتياز، سواء كان هذا الريع داخلياً أو خارجياً، وفي كلتا الحالتين، فإن الريع في أغلبه يؤول إلى يد فئة صغيرة ومحدودة. وكرّست الوظيفة الريعية للدولة سلوكاً اجتماعياً وبيروقراطياً عند فئة استحوذت على تقاسم هذا الريع، المتحول اسمياً إلى ناتج قومي، دون أن يكون لها الإسهام أو اليد الطولى في تحقيق هذا الناتج.

اضحت وظيفة الدولة الريعية توزيع المزايا والمنافع على الشرائح النخبوية. واصبح الفساد وظيفة شائعة في إدارة الريع الخارجي، المتمثل في الديون والقروض والمساعدات، من قبل البيروقراط التنفيذي في الدولة، وهو البيروقراط المنتفع أساساً من عمليات تنفيذ الخطط والمشروعات العامة، وكذلك عبر السياسات الإنفاقية الضخمة التي ساهمت في تكوين ثروات هذا البيروقراط.

لم تكن الدولة الريعية في جوهرها دولة قطاع عام إلا من اجل خدمة مصالح البيروقراط التنفيذي، المتحالف مصلحياً مع الرأسمالي الهلامي أو المتطفل. وما يصدق على علاقة الثروة الخاصة بفئة البيروقراط وأرباب الإدارة العليا في الخدمة العامة، يصدق أيضاً على القطاع الخاص أو الرأسمالي الهلامي، الذي استطاع أن يوظف مهاراته وعلاقاته لتكوين ثروات ريعية من مشاريع الدولة، مستفيداً من العلاقة المنسوجة مع البيروقراط التنفيذي.

جاء البيروقراط التقليدي في الدولة ببرامج وخطط تنموية مصممة لاستعجال التغيير الاجتماعي المنشود، وفي أغلب الأحيان، كان هذا الاستعجال يهدف إلى مسألتين: الأولى، الاستفادة القصوى من الريع الخارجي، المتمثل بالقروض والمنح والمساعدات، بغرض تصريفه في صورة مشاريع تنفيذية وخدمية سريعة، وتوزيع مغانمه على أطراف المصلحة المباشرين. والثانية، استثماره في تعزيز ثقل شرعية السلطة، من خلال توزيع جزء من الريع الخارجي في صورة وظائف ومشاريع خدمية.

بالنسبة للفئات الرأسمالية المتخلقة طفيلياً على تخوم الدولة الريعية، فقد ابتعدت عن مفهوم الرأسمالي الوطني أو المنظمة للعمليات الإنتاجية الرأسمالية، وذلك على النحو الذي أشار إليه المفكر الاقتصادي شومبيتر في توصيفه لطبيعة نشأة الرأسمالية الغربية، التي اتسم روادها الأوائل بروح المبادرة والمخاطرة، وامتلاك النظرة الإنمائية الوطنية طويلة الأمد.

في النموذج المستحدث للرأسمالية الليبرالية، في عصر العولمة والخصخصة الشاملة، لن تتغير طبيعة أو وظيفة الدولة الريعية كما هو متوقع، سواء من قبل عقيدة رجال الإدارة العليا القابضين على سياسات تنفيذ مشاريع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، بالتناغم التام مع الراعي الرسمي للريع الخارجي، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبقية الدول المانحة للمساعدات، أو من قبل الرأسمالي المحلّي العابر للقوميات، بل الأكيد هو تكريس نموذج الدولة الريعية، بأدوات وأساليب تتوافق مع طبيعة العولمة واشتراطاتها الثورية.

تهتم الرأسمالية الهلامية بعمليات الخصخصة الشاملة في الدولة الريعية، لأن هذا الأمر يتفق مع طبيعتها وجوهرها، من حيث نزوعها نحو الاستيلاء على كل ما هو قائم ومنجز في الدولة، من مؤسسات ومشاريع وبنى تحتية، دون عناء أو تضحية ذاتية، ودون تحملّّّّّّّّّّّ أدنى مخاطرّ عند تشغيل رأسمالها الاستثماري، الذي يفترض أساساً أن يضاف إلى العملية الإنتاجية في الاقتصاد الوطني. ويتم ذلك بإشراف وتسهيل مباشرين من الرجال التنفيذيين في السلطة، الذين يوسعون دوائر الريع الخاص في ظل الوظائف الجديدة التي أخذت تلعبها الدولة من الآن فصاعداً.

المفارقة أن العولمة لا تلغي مفهوم الدولة الريعية، بل هي بالأحرى تكرسها، عبر مفاهيم وآليات مستحدثة تشمل أطراف التحالف المقدس المتمثل بالرأسمال الاستثماري الهلامي، والرجال التنفيذيون في السلطة. فالرأسمالية الاستثمارية تعتمد في تمويل جانب مهم من أنشطتها الاقتصادية على تدفقات أموال المنح الخارجية والقروض، التي تزداد وتيرتها في حقبة التحولات والخصخصة بدلاً من انخفاضها، بينما تكون وظيفة البيروقراط التنفيذي تسهيل مهمات الرأسمالي المستثمر والكمبرادوري المحلي، عبر سلسلة لا متناهية من التشريعات والقوانين، وتوفير البنى التحتية الضرورية.

وهكذا، فليس من المأمول، في ظل تحولات الدولة الوطنية نحو اقتصاد السوق، ولاهوت التنمية المفبرك، وخرافة التأهيل الديناميكي، أن تخرج هذه الدولة عن دورة إعادة إنتاج خاصيتها الريعية، وأن تتحول إلى دولة ديموقراطية تمتاز بدورة اقتصاد انتاجي، يفكك أطراف الريع الرسميين، ويعيد تركيب البنى والطبقات الاجتماعية على أساس عقد اجتماعي حقيقي، ينظم العلاقات القانونية والدستورية والأخلاقية على أسس ديموقراطية، تطلق الدورة الاقتصادية الإنتاجية لدى كل القوى الفاعلة والمنتجة.