ديمقراطية افتراضية

 

رغم ان المعلومات المتوفرة على شبكة الانترنت وبجميع اللغات لا تتجاوز بكل التقديرات 8% من حجم المعرفة الإنسانية الموثقة عند مطلع عام 2006 ومع ندرة حجم المستخدمين بالتحديد في المجتمعات، التي ما تزال ترزح تحت استبداد النظم الشمولية، اظهر تقرير عالمي - نشر الأسبوع الماضي- أن أكثر من ثلث المعتقلين والسجناء في قضايا حرية الرأي والتعبير في العالم هم من كتاب الانترنت؛ أصحاب المواقع أو المدونات والمنافذ الالكترونية الأخرى التي توفر حرية التعبير عن الرأي؛ الأمر الذي يثير رعبا آخر يستدعيه كل هذا الخوف من هذه الوسيلة التي ما تزال تزاحم على الحدود الخارجية للأنظمة القائمة ووسائل الإعلام التقليدية، وفي مناوشات لم تصل مستوى المواجهة مع المفاهيم السائدة حول حق الدولة بالسيادة والحكم والتشريع.

اضافة اعلان

كل هذا الخوف والعداء وما تزال هذه التقنية في بداياتها، مقارنة مع ما يخطط له مريدوها والحالمون بعالم افتراضي قادم قد يطال السياسة وحقوق الإنسان وحتى الطبيعة، كل هذا الخوف والعداء رغم ان المعركة الحقيقية لم تحسم بعد، ولا سيما في ظل وجود نزعة ثقافية نقدية واسعة بدأت من قلب المراكز الحضارية الكبرى، ما زالت ترى ان الوصول إلى ديمقراطية الكترونية تغير مسارات السيطرة الفكرية الاحتكارية التقليدية ممكن من الناحية النظرية فقط، ولكن الواقع -كما يعتقدون- يسير نحو المركزية والسيطرة والاحتكار، كما كان مصير كل وسيلة اتصال عبر التاريخ، انها الرأسمالية التي لا تحتاج للمزيد من التفسير.

 

كل هذا العداء والخوف والحذر في الوقت الذي يشهد فيه العالم مفارقة غريبة وغير قابلة للتصديق للوهلة الأولى مفادها ان معظم الدراسات التي أجريت خلال العشرة سنوات الماضية من عمر شبكة الانترنت تثبت انه لا توجد علاقة ايجابية بين انتشار هذه التكنولوجيا الجديدة والتغير السياسي نحو الديمقراطية دون وجود مؤسسات مجتمعية فاعلة تعمل على الأرض، بل تذهب تلك الدراسات إلى ان التأثير السياسي لهذه التكنولوجيا في العديد من الدول سلبي حينما تحولت إلى جزء من أدوات الإكراه السياسي  المسيطر عليها من قبل السلطة.

صحيح ان بيئة الإعلام الجديد تعيد - في هذا الوقت- صياغة مفاهيم الديمقراطية والمشاركة السياسية وعلاقة المواطنين بالسلطة والدولة، وتبني منظورا آخر للتفاعل والمشاركة، وتتجاوز الحدود والحكومات والرقابة وكل أشكال السيطرة والتحكم، لكن البيئة ذاتها التي تعيد صياغة عالمنا التقليدي وخبراتنا الذهنية عبر هذه المنافذ توفر في الوقت نفسه بيئة موازية عالية السيولة من الفوضى تستثمر الوسائل الجديدة ولا تحتكم للمنطق الذي جاءت به، بل وقابلة إلى تحويلها إلى أدوات للإكراه والاستبداد السياسي.

نستطيع ان نفهم قيام جمعية نسائية بإرسال ملايين الرسائل الكترونية إلى مواقع البيت الأبيض أو الكونجرس الأميركي وتغير قناعات صناع القرارات خلال أيام أو ساعات، وتستطيع شبكة من التدفق الالكتروني تحريك مسيرات وتظاهرات بمئات الآلاف من البشر خلال أيام أو ساعات، يحدث ذلك في العالم وما زالت نظم اخرى تعد أصابع مستخدمي الانترنت وتلاحقهم في الداخل والخارج.

معركة الإعلام الجديد في العالم العربي ما تزال في المهد، وتنتظرها جولات وتحديات كبيرة، فمنتديات الانترنت ومواقع الانترنت السياسية الساخنة والمدونات الصحافية لا تعبر إلا عن ملامح حمل لولادة صعبة في بيئة لا تحتفي بالجديد ولا تبارك فيه. فثمة متوالية طويلة من التحولات التي أتت بها التكنولوجيا الجديدة تضرب في عمق الحياة الاجتماعية، ومع كل ما يقال حول تعمق الهوة بين المفاهيم التقليدية والمفاهيم الجديدة وخلخلة مفهومي الدولة والمجتمع إلى موت مفهوم الجماهير وموت المتلقي السلبي، فإنّ طبيعة الإكراه السياسي في تحالفه مع الاحتكار يملك قدرة في اغلب الأوقات على قلب السحر على الساحر.

كل ما يخشى ان نزعة الملاحقة والخوف المتبادل ستفضي إلى ديمقراطية افتراضية وهمية لا وجود لها إلا على الشاشات.

[email protected]