رأيٌ لا يحظى بالشعبيّة!!

العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة، أوجد فرصة جديدة لإيران لمواصلة حملتها على الدول العربية، وهي حملة مستمرة منذ شهور في الصحافة والإعلام الإيرانيين. في هذه الحملة مواصلة لاستراتيجية إيرانية ترى أن خير وسيلة لمواجهة الدول العربية إنما jكمن في "المزاودة" عليها في ملف "القضية الفلسطينية"، وأنّ تَمكّنَ إيران من الوصول إلى مرحلة "تقتنع" فيها الشعوب العربية، بأنها (إيران) تمثّل القضية الفلسطينية وتنطق باسم الفلسطينيين وتدافع عن حقوقهم، هو خير وسيلة لتوسيع دائرة النفوذ الإيراني في المنطقة على حساب الدول والحكومات العربية، وأن هذا الأمر هو أيضا خير وسيلة للضغط على الحكومات العربية وإظهارها أمام شعوبها وكأنها "تخذل" الفلسطينيين وتتآمر عليهم ولا تدافع عن حقوقهم المشروعة.

اضافة اعلان

كلمة السرّ إذاً هي "المزاودة" على القضية الفلسطينية، ويخدم في ذلك أن هناك بالفعل تقصيراً عربيا، وأن ثمة انقساماً فلسطينيا، يقدّم لـ"المزاودة" رصيداً تقتات عليه.

هذا السلوك الإيراني قد يدفع كثيرا من المثقفين العرب  لتناسي أو تأجيل خلافاتهم الكثيرة مع الحكومات العربية، فيما يتعلق بهوامش الحريات والديمقراطية ومحاربة الفساد وإرساء القانون واستقلال القضاء...إلخ، وهو يكرّس في المحصلة الكثير من مظاهر السلطوية والسلوك القمعي والسياسات الفاسدة في العالم العربي، التي بدأ حراك عربي منذ سنوات يتجه لمحاربتها. فمثلا، كانت في الفترة الأخيرة موجة من الانتقادات الشعبية والتحركات المدنية والكتابات الصحافية في مصر، تدعو إلى محاربة الفساد المالي والإداري والسياسي في مصر، وما إن توجّه أمين حزب الله حسن نصرالله، في خطابه قبل أيام بما يشبه الدعوة إلى الإنقلاب في مصر، حتى ارتدّت النخبة المصرية للدفاع عن بلدها واستقراره والحفاظ على أمنه وأمن أبنائه ضد الدعوات الغوغائية، واختفت تاليا، كل أحاديث محاربة الفساد ودعوات الإصلاح في الإعلام المصري، وهو أمر يعدّ نصراً للسلطوية وسياسات كبت الحريات وتأخير الاستحقاقات ونسيانها إلى أجل غير مسمّى.

وقد كتبتُ كثيرا بأنه إنْ كان ثمة خلاف عربي ـ إيراني، فإن هذا الخلاف لا يجوز النظر إليه كخلاف طائفيّ أو مذهبيّ، أو النفخ في جمر "السنيّة والشيعيّة" لإيقاظ فتن هامدة، نحن بأمسّ الحاجة لاجتنابها وإطفاء بؤسها. لكنني أزعم أن الطرف الآخر لا يتحلى بهذه الكياسة، فقد نشرت صحيفة "كيهان" الإيرانية، التي يملك توكيلها المرشد الإيراني السيد على خامنئي، مقالة يوم الأربعاء (31/12/2008) استشهدت فيها بالآية الكريمة" إن الله لا يحبّ كل خوّان كفور" في إشارة من الصحيفة إلى الأنظمة العربية وخصت ثلاثة منها: " مصر والسعودية والأردن"، معتبرة النظام المصري بأنه "أصبح عمقا استراتيجيا للدفاع عن إسرائيل". وأضافت "كيهان" إن نموذج المقاومة الشيعية التي تقتدي بثورة  الحسين في كربلاء أصبحت قدوة لأهل السنة في العالم العربي، مستشهدة بتصريحات أخيرة لمهدي عاكف، المرشد العام لـ"الإخوان المسلمين" التي قالت "إنه أعلن فيها الطاعة لحسن نصر الله". وأضافت الصحيفة: "إنه ليس بعيدا أن نسمع قريبا نداء لبيك ياحسين في القاهرة وعمّان والرياض. وليس بعيدا أن يتسع هلال الغيرة (في إشارة إلى "الهلال الشيعي") ليصبح بدرا يسطع في سماء الشرق الأوسط كله، وبذلك  يكون ورثة يزيد والإسلام الأموي قد حفروا قبورهم بأيديهم"، حسب الصحيفة.

هو خطاب طائفيّ بامتياز، يدعونا للتفكّر والتأمل، وهو خطاب يدعم ميلنا (حتى لو لم يكن يحظى بالشعبية) بأن الأمر أبعد بأميال عن مسألة دعم الفلسطينيين ومحاربة إسرائيل.

الاحتلال الإسرائيلي لا بد أن يزول، فهذه سنّة التاريخ، وسيأتي يوم يتحقق فيه حلم الفلسطينيين بالتحرر والحرية والعيش الكريم، وهذا لا يتحقق بمحاولات إضعاف الصفّ العربي، وزعزعة الدول العربية و"تخوين" العرب، فكما أن الفلسطينيين بحاجة إلى وحدة الصف والقرار لمواجهة عدوان إسرائيل وهمجيتها، هم بحاجة إلى العرب كلهم، وهم بحاجة إلى إيران، دولة إسلامية تحترم الجوار العربي وتعزز صلابته، ولا تتدخل في شؤونه الداخلية، ولا تتاجر بـ"تقصير" عربي يتحدث عنه العرب قبل غيرهم، وتشاطرهم فيه (في التقصير) إيران نفسها!!