رئيس أركان جديد في إسرائيل

 

من المفترض أن تقر الحكومة الإسرائيلية يوم الأحد المقبل توصية وزير الحرب إيهود باراك، بتعيين اللواء يوآف غلانت رئيسا جديدا لأركان جيش الاحتلال، خلفا للحالي غابي أشكنازي الذي سينهي ولايته في شهر شباط (فبراير) المقبل، إذ أن التوصية تطرح على الحكومة بعد الاتفاق مع رئيس الوزراء، ولهذا فإن الإقرار يبقى شكليا.

اضافة اعلان

وبذا يكون غلانت هو رئيس الأركان الثالث منذ العام 2005، إلا أنه كما في المرات السابقة، فقد اختار "المحللون" الإسرائيليون عرض تفسيرات لاختيار غلانت، الذي سبق اختياره قضية "عصفت" بقيادة الجيش، بزعم انه استعان بمكتب علاقات عامة، من أجل تهيئة رأي عام يطالب بتعيينه، وظهر "المحللون" ذاتهم على شاشات التلفزة يهاجمون ويذمون ويحكمون، حتى بدا المشهد وكأن قيادة الجيش على شفا الانهيار بسبب هذه الوثيقة، التي تبين بعد أيام من ساعات البث وصفحات الجرائد أنها مزيفة، وأن كاتبها ليس أكثر من محتال لا شأن له بقضية اختيار قائد الأركان.

أما تفسيرات المحللين لتعيين غلانت هذه المرّة فقد جاءت على خلفية قيادته الحالية للمنطقة الجنوبية، وهي المنطقة المسؤولة عن مواجهة قطاع غزة، لذا كان سهلا على ذاك المحلل، التلميح إلى أن تعيينه "لم يأت صدفة، بل بسبب التحديات المقبلة"، في إشارة واضحة لقطاع غزة.

وحكاية "تعيينه لم يأت صدفة"، سمعناها على الأقل في المرتين السابقتين، فحين تم تعيين دان حالوتس في العام 2005، قيل إنه أول قائد سلاح جو في إسرائيل يتبوأ منصب رئيس الأركان، "وهذا لم يأت صدفة"، بل بسبب التحديات المقبلة"، في إشارة إلى احتمال توجيه ضربة لإيران، إلا أن حالوتس لم يحلق بعيدا في حربه، بل وجه ضرباته لقطاع غزة ولبنان بفارق ثلاثة أسابيع، في صيف العام 2006.

وكذا أيضا حينما تولى غابي أشكنازي رئاسة الأركان في العام 2007، فقد قيل إن تعيينه "لم يأت صدفة"، وهذا لأنه كان ذات مرة قائدا للواء منطقة الجليل (شمال)، وآخر قائد لجيش الاحتلال في جنوب لبنان، قبل ان يتولى لاحقا منصب قائد المنطقة الشمالية، وبطبيعة الحال كان التلميح للبنان، إلا أن أشكنازي شن حربه على قطاع غزة، في الأيام الأخيرة من العام 2008 ومطلع العام 2009، إذ لكل جنرال حربه.

وهذا إن دلّ على شيء، فقد دلّ على أن من يوجه السياسة العسكرية الإسرائيلية ليس ذاك الجنرال أو غيره، بل هناك مؤسسة منظمة، لها رأس واضح، ولكن في نهاية المطاف فإن القرار أبعد بكثير من أن يتخذه شخص بمفرده، ولهذا فمن المفضل أن لا يستعجل أحد في قراءة المستقبل اعتمادا على "دردشات" هذا المحلل أو ذاك.

بحقيقة الأمر فإنه لا يمكن الاستخفاف بعدد لا بأس به من المحللين الإسرائيليين، حتى أولئك الذين تم التمليح لهم هنا في قاب قوسين، فمنهم من هو معروف بقربه الوثيق للمؤسسة العسكرية، وحتى أنه يعتبر ناطقا غير رسمي باسمها، بمعنى تكون مهمته تمرير رسائل إعلامية خارجية، ولكن الإعلام الرسمي والتجاري في إسرائيل، على حد سواء، يغوص في العقدين الأخيرين في معركة تنافسية، على نسب المشاهدة الأعلى، وهذا ما يدفع المحللين إلى الغرق في نهج "التوك شو" الأميركي، وينثر تقديرات وتلميحات وهمية، من شأنها أن تقود إلى الإثارة، وشد المشاهد والمستمع والقارئ إلى وسيلة الإعلام هذه أو تلك.

وهذه ظاهرة تستفحل من حين إلى آخر، ولكن في أحيان كثيرة، تقف من خلف هذه الثرثرات الإعلامية المؤسسة المعنية في إسرائيل، إما من أجل حجب الأنظار عن قضية جوهرية، مثل إظهار إسرائيل وكأنها غارقة في "أزمة داخلية"، أو لخلق بلبلة في الطرف الآخر، أو لتمرير رسائل ما إلى الخارج، وغيرها.

وهذا أمر يستدعي كل من يتابع الشأن الإسرائيلي للحذر من الوقوع في شرك الثرثرات الإعلامية الإسرائيلية، وأن يفحص كل معلومة من جوانبها المختلفة، قبل التمسك بها، حتى وإن كانت هذه المعلومة تدغدغ "عواطف"، أو تساهم في تحقيق "مكاسب سياسية" لدى أي جهة كانت، لأن الحقيقة سرعان ما ستنجلي، من أجل الغوص في موسم "ثرثرة" آخر.