رسائل البالوع

في خطوة إضافية تعزز الأنباء عن تقييد السلطة الفلسطينية لعمليات المواجهات مع الإسرائيليين، منع رجال أمن فلسطينيون بلباس مدني رياضي، وبالقوة، المتظاهرين الذي أرادوا تحدي ما يعرف باسم مستوطنة "بيت إيل"، في مدينة البيرة، والمركز الأمني الاحتلالي هناك، يوم الجمعة الماضي، في حادثة تؤكد حالة التخبط وعدم الوضوح التي تحيط الأداء الرسمي الفلسطيني، وتثير تساؤلات حول الموقف من الانتفاضة الفلسطينية الراهنة.اضافة اعلان
إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّ القيادة الرسمية الفلسطينية تعلن مرة بعد أخرى أنّ الالتزام بالاتفاقيات مع الإسرائيليين، لاسيما التنسيق الأمني، غير ممكن، خصوصاً بسبب عدم الالتزام الإسرائيلي، فإنّ منع المتظاهرين من الاحتجاج في منطقة "البالوع" تحديداً يثير تساؤلات كبيرة، ويضعف مصداقية الحديث عن مراجعة الاتفاقيات، وتغيير السياسة. فلا الجانب الإسرائيلي ولا الشعب الفلسطيني يمكن أن يأخذا الحديث عن وقف التنسيق ومراجعة الاتفاقيات بجدية كبيرة الآن، وهذا بالتالي يقوّض مصداقية مجمل السياسات والطروحات و"التهديديات" الفلسطينية الرسمية في هذه المرحلة.
أن تحتاج الجهات الأمنية الفلسطينية لعناصر بملابس مدنية، أمر فيه استنساخ لأساليب ممقوتة عربياً، مورست في دولة عربية، ليست تحت الاحتلال، وبالتالي تتضاعف نتائجها السلبية تحت الاحتلال.
لا يمكن لقوات الأمن الفلسطينية أن تقوم بشيء شبيه، في مواقع أخرى مثل حاجز قلنديا مثلا، أو حواجز أخرى، إلا إنْ حدث تنسيق أكبر مع الجانب الإسرائيلي. وهذا يعطي، أو يؤكد، الانطباع أنّ "السلطة" باتت عائقا أمام المقاومة حيث وُجدت، مع الإشارة إلى أنّ الحديث هنا عن مقاومة مدنية سلمية.
من ينظم مسيرة "بيت إيل" (أو بكلمات أصح البالوع)، خصوصاً يوم الجمعة، هي قوى سياسية محددة ومعروفة، وعدد المتظاهرين ليس بالكبير. وبالتالي، لو كان هناك منطق سياسي حقيقي، مبرر، لمنع هذه المسيرات، فإنه يمكن الحوار مع هذه القوى وإقناعها، ولا مبرر لهذا السلوك الأمني، بل يمكن أن يذهب محاورون للقائهم هناك.
يختلط الحديث عن البالوع عادة بمجموعة مقولات، لا يمكن الجزم بمدى دقتها، ولكن يجدر تفنيدها سياسياً وإعلامياً من قبل المعنيين في القيادة الفلسطينية، بدل تعزيزها في عقول الجمهور الفلسطيني، بمثل ممارسات يوم الجمعة الماضي.
أولى هذه المقولات، أن هذه المنطقة مهمة لمن يحملون بطاقات أو صفات تسمح لهم بالمرور من الحاجز الشهير هناك، الذي يحمل اسم "DCO"، والذي يميز بين الفلسطينيين (العامة ممن لا يسمح لهم بالمرور، و"الخاصة" الذين يسمح لهم بذلك). وبالتالي، يرى البعض أنّ رفض التظاهر هناك هو موجه بشكل خاص لحماية هذا الامتياز. وثانية المقولات التي تنتشر، أنّ مبرر رجال الأمن لمنع التظاهر يكون أحياناً أن موكبا رسميا، وضيوفا رسميين على الجانب الفلسطيني، يمرون في الشارع، وهذا التبرير -إن كان دقيقاً- كارثيّ؛ لأنّ هذه النقطة بالذات تغلق لأشهر طويلة من قبل الإسرائيليين، وهي أساسية لتصل بين وسط الضفة، ولاسيما رام الله والبيرة والقدس، وشمالها، نابلس وجنين وطولكرم وطوباس، وبالتالي أن يضطر المواطن الفلسطيني لطرق فرعية بديلة دائماً من دون أن يحرك أحد ساكناً لذلك، ثم يجد أن الاحتجاج هناك ممنوع من أجل مواكب رسمية فلسطينية (تحت الاحتلال)، فإنّ هذه رسالة سلبية أخرى. ولعل توجيه مثل هذه الرسالة التي تضرب العلاقة بين الرسمي والشعبي فلسطينيا، جزء مما يحرص عليه الجانب الإسرائيلي. ولعلها من المصادفات ذات الوقع، أن يتزامن ما سمي باعتذار بنيامين نتنياهو للرئيس الفلسطيني عن سلوك جنوده قرب منزل الأخير، مع حادثة البالوع الجديدة (لا تبعد المنطقتان عن بعضهما سوى مئات الأمتار)، مع أنّ الاعتذار من حيث المبدأ أمر منطقي وربما اضطرار الإسرائيليين له أمر إيجابي.
يحتاج الفلسطينيون إلى خطاب منطقي واضح من قبل قيادتهم، يحدد ما يرونه مقبولا وما يرونه سوى ذلك، ولماذا. وأن يكون هناك نقاش صريح وشفاف حول المطلوب في هذه المرحلة، وكيف يمكن أن توضع أي خطوات، أو أن تمنع أي تحركات، ضمن استراتيجية وطنية متكاملة، ليكون الجميع في خطوة منسقة في اتجاه واحد، وأن يتم ذلك بالحوار.