رسالة لبلتاجي ... نريد حدائق وشبكة نقل عام


لا تبعد حدائق الملك عبدالله "وادي صقرة" أكثر من 2 كم عن بيتي في الرابية، ومع ذلك لم أزرها منذ أكثر من 20 عاماً حين كان أبنائي أطفالاً، وبصراحة لا أتذكر كيف أصبحت بهذه البشاعة، مكاتب لتأجير السيارات السياحية على طول الشارع، وجدران اسمنتية لا علاقة لها من قريب أو بعيد باسم الحديقة.اضافة اعلان
أذكر قبل ما يزيد على 20 عاماً أن بها ألعاباً للأطفال، ومدرجاً، وشيّد بها "تلفريك" لا أعلم كم استمر بالعمل حتى توقف وأصبح أطلالاً؟
الخبر المفرح أن أمانة عمان ستستعيد حدائق الملك عبدالله مع بداية 2017، أي بعد أقل من أسبوعين، وستصبح في عهدة عمدتها بعد إخلاء آخر المكاتب السياحية، والمبهج أيضاً أن العمدة عقل بلتاجي يستفتي أهالي عمان بما يريدون أن يفعل بها؟
ونجيبه فوراً نريدها حديقة بمعنى الكلمة، متنفساً لأهالي عمان الذين حاصرتهم الحجارة والأبنية وضوضاء زحام السيارات، حتى كادت هوية مدينة عمان الوادعة أن تذوي؟
سألت عمدة عمان الأسبق د. ممدوح العبادي في لقاء صحفي قبل ما يزيد على عقدين، لماذا تتغير عمان وتتخلى عن هويتها وتختفي الحدائق؟
فأجابني: "عمان خططها التجار"، اجتاحوا الرقعة الزراعية في الغرب بنياناً، ولم يتمددوا في الجنوب، الاتجاه الذي من المفروض أن يذهب له العمران للحفاظ على الأشجار والغابات.
انظروا ما أجمل غابات الجامعة الأردنية المهددة بالانقراض بسبب توسع أبنية الجامعة، راقبوا كيف تتوسع الجدران الاسمنتية في دابوق الخضراء، فتتآكل الأشجار مهددة بالموت لمنطقة بدر التي تضم غابات ممتدة ومرتبطة بوادي السير؟!
أضع يدي على قلبي جزعاً وحزناً ونحن سعداء بالقضاء على البقع الخضراء لنعلي الحجارة، فنسد ما تبقى من فضاءات لمدينة عمان التي تحتضر بالاختناقات المرورية.
إذا كان عقل بلتاجي يريد لأهالي عمان أن يتذكروه بالخير في قادم السنوات فعليه أن يمضي في الحفاظ على ما تبقى من مساحات خضراء، وأن يقاوم جشع التجار، ويرفض أن تقطع شجرة مهما كان السبب، ويكافح لوضع حلول مرورية لا تتوقف عند مشروع الباص السريع، بل أن تكون البوابة لشبكة النقل العام سواء أكانت خطوط قطارات خفيفة فوق الأرض أو "مترو الأنفاق".
لا يعقل أن تصبح عمان مثل القاهرة فوضى مرورية عارمة ساعات الذروة، وأحياناً في كل الأوقات، ولا يقبل أن تمكث في طريق لا يتجاوز 5 كم أكثر من ساعة ونصف إذا كان حظك أعثر وخرجت في سيارتك بعد الرابعة والنصف عصراً؟
تزايدت أعداد السيارات بشكل لا يعقل، وغاب النقل العام الذي كنا نستخدمه قبل عقود مثل "السرفيس"، وضاقت الشوارع، وغابت عن الكثير من السائقين الأخلاق، فهو مستعد لإغلاق التقاطع المروري عند الإشارة، ولا يكترث إن كان هذا سيلحق الأذى بنفسه أولاً وبالآخرين؟!
إذا كان عقل بلتاجي يريد لأهالي عمان أن يتذكروه بالخير فعليه أن يمضي في طريق إيجاد حلول مرورية، فالجسور والأنفاق لم تعد كافية، وربما تكون هناك حاجة لجسور فوق الجسور، وحزم أكبر في تطبيق القانون، وإعادة تخطيط لبعض الشوارع التجارية مثل "المدينة المنورة"، والناس لا تنسى، فحتى الآن تقول العمدة ممدوح العبادي كان ينجز النفق والجسر في 3 أشهر بعد أن أمضينا سنوات في تشييد جسر "الداخلية" و"صويلح"، والناس تذكر بالخير نضال الحديد الذي استمر في بناء الجسور والأنفاق دون توقف، وتتذكر بفخر كيف أعاد عمر المعاني تأهيل وسط البلد وأعاد لها الروح والحياة؟
سيسجل الناس لعقل بلتاجي وفريقه إن نجح في مواجهة التحديات الصعبة، خاصة في ظل محدودية الموارد المالية، ونحن نراقبه وأول الاختبارات ما سيفعله في حدائق الملك عبدالله، فنحن نريد تكرار تجربة حدائق الحسين، نريد فضاء للمشي، وأماكن للجلوس، وأشجاراً كثيفة مثل الأحراج، ولا بأس إن كانت هناك "قهوة" أو اثنتان، أو مطعم صغير، المهم أن تشعر أنك في حديقة وليس في سوق!
وثاني الاختبارات للعمدة البلتاجي مشروع الباص السريع ماذا سيغير من حالنا، وكيف سنبني عليه قصص نجاح في النقل العام؟
شخصياً لا أعارض زيادة مديونية الأردن ملياراً جديداً إذا كان ثمن ذلك "مترو للأنفاق" تحت الأرض، وشبكة قطارات خفيفة تحل مشاكل الناس، فلقد تحملنا مديونية 26 ملياراً ولم نبنِ منجزات للبلد بل صرفت رواتب ومشاريع فاشلة!
آن الأوان أن نملك الشجاعة لنعيد لعمان روحها التي سرقت في السنوات الماضية لتظل أجمل المدن وأعذبها.