زمن الأراكوزات

في أيّام الطّفولة البعيدة التي تعود إلى بداية السّتّينيّات من القرن الماضي، كان ثمّة من يزور القرية ليدخل البهجة إلى قلوبنا، نحن الأطفال البائسين الذين لم يكونوا يملكون أيّ شيء من ألعاب التّسلية، التي تنتشر هذه الأيّام انتشاراً عظيماً. أحد الرجال الغرباء كان يصل إلى القرية، مصطحباً معه سعدانه الذي سمّاه حمدي. وما أن يحطّ رحاله حتى يبدأ هناك فصل جديد من الفرح.اضافة اعلان
كان الرّجل يصدر أوامره إلى السّعدان قائلاً: حمدي قلّد مشية المرأة العجوز، فينبري السّعدان للمشي بتثاقل وخطوات متعثّرة تماماً كما تفعل العجوز. يقول له: حمدي قلّد مشية الصّبية، فيسير السعدان بخطوات واثقة ورأسه مرفوع إلى الأعلى. أحياناً كان الرجل يختار بعض الحضور ويأمر السّعدان بتقليد حركاتهم.
والآن حيث نعيش تجلّيات زمن الأراكوزات، لو سألنا كم حمدي لدينا؟ تُرى ماذا ستكون النتيجة؟ أعتقد أننا سنذهل من كثرة الناس الذين يشبهون حمدي، أولئك الذين قضّوا أعمارهم في لعب دور هذا السّعدان الغابر. إنّنا نراهم صباح مساء ونصطدم بهم في الممرّات، وهم يسيرون مقوّسي الظّهور من كثرة انحناءات الطّاعة. إنّهم يعرفون من أين تؤكل الكتف، ولذلك فوجوههم دائماً ممتلئة بتلك الابتسامات الشاحبة البلهاء.
والشّخصية السّعدانية شخصيّة منافقة كذّابة مجامِلَة، وهي تبذل المستحيل في سبيل إسعاد سيّدها، الذي يوجّه لها باستمرار المزيد من الصّفعات والإهانات: يا... حمدي تعال إلى هنا. حمدي يا قرد خذ هذه الأوراق. حمدي أيّها المخبول أسرِع، دُر، طِر، أغرب عن وجهي، واذهب إلى الجحيم يابن الللل .....، وحمدي يقول: أمرك، حاضر سيّدي، ثمّ يلفّ يدور يتراقص. غير أنّ كلّ ما تلاقيه الشّخصية السّعدانية من أهوال، وما تتحمّله من إهانات سوف يصغر في سبيل المغانم التي ستتلقّاها في لحظة ما من يد السّيّد. طبعاً تلك الشّخصية سوف تعتقد أنّها نالت المجد بحصولها على هذه الأعطيات، وهي لا تدري أنّ كلّ ما تلقّته، ليس سوى الفتات الذي ينفق السّيد أضعافه على قططه وكلابه.
يشكّل تنامي هذه الشّخصية وبروزها في العقود الأخيرة خطراً جسيماً على المجتمعات العربية. إنّ أخطر ما تقوم به هذه الشخصيّة يتمثّل في المساعدة على بناء المجتمع السّعدان، ذلك أنّ هذه الشخصيّة تعمل على سعدنة الناس من حولها، وخاصّةً أولئك القريبين منها، ومن جهة أخرى فالشّخصيّة السّعدانية تعمل على إقصاء الآخرين من أصحاب المواهب والكفاءات العالية، الذين يعتدّون بأنفسهم، ويدافعون عن كرامتهم. ذلك أنها شخصية طاردة لغيرها، وبذلك يتمّ تعطيل الجزء الحيوي من المجتمع، والاتّكاء على الهشاشة والنّفاق في الحياة الخاصّة والعامّة. إنّ ذلك يشبه أن يقوم شخص ببتر قدميه السّليمتين من أجل أن يسير على قائمتين متداعيتين من الخشب!!
من المميّزات التي تتمتّع بها الشخصية السّعدانية أنّها قادرة على تكييف نفسها حسب الظروف والأحوال، ولذلك فهي حين يحدث حولها تغيّر ما، سرعان ما تتغيّر أيضاً. إنّها مستعدة لتغيير جلدها في سبيل مصلحتها، وهذا ما يحدث في البلدان العربية التي قامت فيها الثورة، حيث ينبري القطيع المتسعدن في تقمّص الحالة الثورية والمناداة للثّورة.