زيارة البابا: الدلالات السياسية

 

بالرغم من أنّ البابا شخصية دينية مقدسة تحاول ما استطاعت النأي بنفسها عن السياسة وامتطاءاتها، وما أوصلت اليه البشر من حروب واقتتال وتناحر، إلا أنّ زيارته إلى الأردن والشرق الأوسط تحمل دلالات سياسية مهمة، بخاصة وانها تأتي لتمثل نفيا عمليا لما يعتاش عليه متطرفو هذا العصر من مبادئ، هم من صنعها في صلبها نفي الآخر وقتله، والتفضيل العنصري لعرق أو دين بعينه على حساب كل من سواه.

اضافة اعلان

الدعوة الملكية لقداسة البابا تعكس الرؤية الوطنية الأردنية لأسباب التطرف في العالم الذي بات المتغيرالأكثر حضورا في تداعيات العلاقات بين الدول، وقد ادركت هذه الرؤية منذ البداية أن مواجهة صراع الحضارات والارهاب والتطرف لا يتم بالسيف والمدفع، بل بالقلم والعقل والفكر والتناظر.

من هنا تحديداً ولدت رسالة عمان وتكثّفت الخطابات الملكية العديدة، التي تحاول التركيز على ضرورات استخدام الأدوات المناسبة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين السياسية الدولية.

دعوة الاردن للبابا تقول للعالم أجمع أنّ العالم الاسلامي متصالح وقابل للعالم المسيحي، وأنّ من يسوِّق غير ذلك هم القلة الضالة من اتباع الدين الاسلامي السمح. فالأردن يستقبل البابا ضيفاً وحاجاً، لينفي كل من ينظِّر لحتمية ان يتقاتل اتباع الديانات بغية زيارتهم ووصولهم لأماكنهم المقدسة.

من أهم تجليات هذه الزيارة مبدأ راسخ من مبادئ حقوق الانسان هو الحرية الدينية، اي ان يكون المرء حرا بدينه الذي يختار، وأن تكون الدولة غير داعمة او منحازة لدين على حساب الآخر. والاردن مطبِّق ومحترِم لهذا المبدأ. و"ديانة الدولة هي الاسلام" لم تعنِ في يوم من الايام إلغاء الأديان الأخرى، بل رعايتها واحترامها وتمثيل اتباعها بالمؤسسات السياسية.

"حرية الأديان" وحرمتها تلغي احتمالات اقتتالها، فلا داعي ان تجلب اوروبا جيوشها الجرارة، لكي يحج اتباع المسيحية لأماكنهم المقدسة، فهم يأتون معززين أكارم، نرحب بهم ونوفر لهم الحماية إن لزمت، والأمر سواء بالنسبة للمسلمين في بلاد الحريات الدينية، الذين يمارسون دينهم بحرية، وتحت حماية الدولة المضيفة، بل إنّ من حقهم نشر دينهم بالوسائل السلمية، وهم يحصلون على تأشيرات دخول، وأحيانا على دعم مالي لعمل ذلك.

"التسامح" هو الاصل وغير ذلك هو الاستثناء والضلال بعينه. هذه هي الرسالة الاهم التي يمكن استقاؤها من دعوة البابا وزيارته إلى الأردن، ونحن نتعامل مع جوهر الفكر الضلالي، الذي أنتج ظواهر كالإرهاب وأفكارا مضللة كـ"حتمية صراع الحضارات".

علينا الاعتراف أن الاديان السماوية تقبل وتعترف بمنظومة قيم متشابهة سامية وأن بني البشر وظفوا وامتطوا هذه الديانات لمصالحهم ورؤياهم السياسية.

نتصارع اليوم ليس على أحقية وملكية الاماكن المقدسة، بل على "السيادة" على هذه الأماكن، وهو امر نحن من اخترعه في وستفاليا عام 1648، وها نحن اليوم نتعارك عليه.

حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة أمر راسخ ومعمول به، منذ قرون من الزمان، لهذا، فالصراع سياسي بامتياز وزيارة البابا ودعوته تنزع عن صراع الشرق الأوسط الأهم بعده الديني وتعيده لمربعه السياسي، وهو أمر من شأنه أن يفوِّت الفرصة على من يختبئون خلف مقولات "تنازلات مؤلمة" او حقوق دينية تاريخية. 

[email protected]