سقوط نظرية "الدول الفاشلة"؟

تطور، منذ نهاية الحرب الباردة، مصطلح "الدول الفاشلة". وتطورت جداول وقوائم سنوية، تصنف دول العالم وفق هذا المعيار/ المصطلح. وقامت على هذه الجداول مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، بالتعاون مع مركز الأبحاث الأميركي "صندوق من أجل السلام". ويبدو أن هذا المصطلح يعاني ضعفا الآن، وهناك توجه لهجره.اضافة اعلان
كانت قوائم الدول الفاشلة محل انتظار سنوي، وموضوعاً لتغطيات إعلامية كبيرة. وأعتقد أنّ مصطلح "الدولة الفاشلة" كان يقدم مؤشرات مفيدة لتقييم وضع الدول والأنظمة السياسية. فهو مصطلح يضم 12 مؤشرا، من ضمنها الأمن، وهل تسيطر الحكومة المركزية على أراضي الدولة، أم هناك "دول داخل الدول" وأقاليم متمردة؟ ومؤشرات لها علاقة بتوفير الخدمات الأساسية؛ أي القيام بالوظائف الأساسية للدولة.
بدأت إدارة الرئيس الأميركي بل كلينتون بتبني هذه المصطلحات في التسعينيات. وكان يبدو للبعض أنّ في المصطلح نوعا من الترف. فبعد الحرب الباردة، كان يُعتقد أنّ فائض القوة الأميركية، وخصوصاً القوة العسكرية منها، يبحث عن مهمة، بعد انهيار الأخطار التقليدية. لذلك قيل إنّ صراعات في بعض الدول والأقاليم، كما في يوغسلافيا والصومال وهاييتي، يمكن أن تضعضع السلام في مناطقها، وتنتشر حول العالم، فتهدد المصالح الأميركية. وكان جزء أساسي من حملة جورج بوش الابن للرئاسة الأميركية، يقوم على انتقاد هذا المذهب الذي بدا مثالية زائدة. وانتقد هو وفريقه التورط في البلقان والصومال وغيرهما، وسخروا من أن يكون من مهمة الولايات المتحدة بناء المدارس والدول.
لكن اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2011 قلبت المعادلة؛ ربما لأنّ أشخاصا مثل وزير الدفاع حينها دونالد رامسفيلد، ونائب الرئيس ديك تشيني، بحثوا عن مبررات للتدخل في العراق، ووجدوا مبررا لسياساتهم في فكر مجموعة "المحافظين الجدد" في الحزب الجمهوري، ولاحقا في آراء إسرائيلية وصهيونية، من أهم ممثليها ناتان شارنسكي، الوزير الإسرائيلي السابق، ورئيس الوكالة اليهودية حاليا، بشأن أهمية نشر الديمقراطية سبيلا للسلام. فطوروا مفهوم أنّ الأزمات الداخلية في الدول الأخرى تؤدي إلى تنامي الجو الملائم للإرهاب ومناهضة الولايات المتحدة.
ومع الفشل في العراق، تراجع الأميركيون، وتراجع مفكر بارز مثل فرانسيس فوكوياما، عن التركيز على أهمية نشر الديمقراطية والليبرالية، إلى الحديث عن بناء الدول ومؤسساتها قبل ذلك.
وإذ بدأ مؤشر "فورين بوليسي" للدول الفاشلة العام 2005، فإن الفكرة كلها تتراجع الآن. ففي العدد الأخير من مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، كتب مايكل مازار، الأستاذ في كلية الحرب الوطنية الأميركية، تحت عنوان "صعود وسقوط مذهب الدول الفاشلة"، محللا أسباب تراجع الولايات المتحدة عن تبني فكرة "الدول الفاشلة" مُحرِكاً أساسيا لسياساتها الخارجية، بعوامل بعضها براغماتي، يتعلق بالظروف الأميركية الخاصة، وبعضها لخلل اتضح في المذهب. ومن الأسباب الأميركية الخاصة، أنّ تبنّي الفكرة تضمن حلا لمشكلة فائض القوة الأميركية، لكن هذا الفائض استنزف في أفغانستان والعراق وغيرهما. واتضح أن عملية بناء الدول وإخراجها من الفشل، هي عملية صعبة ومعقدة، تحتاج خبرات ومهارات عجز الأميركيون عن توفيرها. واتضح أنّها صارت عملية على حساب الانتباه للأخطار التقليدية، ولأهمية التعامل مع دول ناشئة لها طموحاتها، مثل البرازيل والهند وتركيا. وطبعا، وهو ما لم يذكره مازار، على حساب الانتباه لدول مثل الصين وروسيا.
أضف إلى ذلك أنه اتضح أنّ الربط بين الإرهاب وفشل الدول غير واقعي؛ فالإرهاب وجد وانطلق من السعودية، وبريطانيا، وألمانيا، وهذه أبعد ما تكون عن كونها فاشلة، بحسب معايير هذا المذهب، الاقتصادية والأمنية. كما أنّ جماعات الإرهاب تعلمت الانتقال من دولة إلى أخرى إذا أصبحت البيئة غير مناسبة لها، وقويت الدول المركزية. كما أن الجزء الأكبر من قائمة الدول العشرين الأكثر فشلا، لا يشكل خطراً إرهابيا أو خطراً على مصالح الولايات المتحدة. فمثلا، في قائمة 2013، كانت الدول الخمس الأكثر فشلا هي: الصومال، والكونغو، والسودان، وجنوب السودان، وتشاد.
التراجع عن هذا المذهب هو تراجع أميركي عن كثير من سياسات التدخل في العالم، نحو ربما المزيد من التركيز على الدفاع الذاتي والعسكري والاستخباراتي المباشر. لكن من وجهة نظر علمية، أعتقد أنّ مصطلح الدول الفاشلة يمكن تطويره والحفاظ عليه، لأسباب علمية بعيدة عن "الإمبريالية الأميركية".



ajazem@