سنة "الفأر"

أنا واثق بأن رموز الاحتفال الصينية بالأعوام الجديدة مسروقة من حيوانات العرب، باستثناء حيوان وحيد رأى الصينيون أنه لا يستقيم مع طبيعتهم!

صحيح أن التوظيف الصيني لهذه الحيوانات يختلف عن "التوظيف العربي"، لكن يبقى أن الفكرة ذاتها مسروقة، وعلى الصينيين أن يعترفوا بذلك!

اضافة اعلان

ففي مطلع كل عام، يخصص الصينيون حيوانا من حيواناتنا رمزا للسنة الجديدة، تعبيرا عن تفاؤلهم أو تشاؤمهم بالعام الجديد. أحيانا يختارون الأرنب، وأحيانا الفأر.. مرة الدجاجة.. وأخرى الأفعى!

أما الفرق بينهم وبين العرب، أن الأخيرين لا يعلنون عن "الرمز" إلا بعد انتهاء السنة، وليس في أولها، وفي الأغلب يكون الإعلان صامتا، من دون ضجيج!

والواقع أن حدائق الحيوانات العربية متخمة بالرموز التي اختزل كل حيوان منها مرحلة معينة، منذ بدء عصور التفكك والانهيار!

ففي سنة "سايكس وبيكو"، مثلا، أي في مرحلة نشوء الحدود، اختار العرب "الأرنب" رمزا لتناسل تلك الحدود على نحو متسارع، إلى درجة أن الأرانب، ذاتها، احتجت على زج اسمها بتناسل لا تقوى هي عليه!

وفي سنة "النكبة"، اختار العرب "الفأر" رمزا لهزيمتهم، مجتمعين، وفرارهم غير المنظم، أمام أفعى التهمت أرضهم وكرامتهم!

وفي الفترة ما بين "النكبة و"النكسة"، تفاءل العرب قليلا برد اعتبارهم، خصوصا مع "فقاعات" المد القومي، وارتفاع الأصوات المنادية بالتحرر والثأر، وإلقاء "إسرائيل في البحر"، فاختاروا "النمر" رمزا لتلك السنوات، لكن لم يلبث هذا "النمر" أن فر مذعورا بعد النكسة، فاستبدله العرب بـ"الخفاش"، ذلك أن مرحلة "التواطؤ" مع العدو قد بدأت، لتشهد سنوات المرحلة الجديدة سلسلة من التراجعات عن الثوابت والمبادئ، و"طعن الظهور"، والعزلة القطرية، التي توجت باتفاقية "كامب ديفيد"، انسجاما مع مقولة "أنا ومن بعدي الجحيم"!

أما في سنوات التخلف العربي عن ركب التكنولوجيا والحضارة، واتساع الفجوات الرقمية بينهم وبين العالم المتحضر، فقد اختار العرب "السلحفاة" رمزا لهم!

وفي سنوات الاستبداد، والسلخ، وحكم "الحزب الواحد"، و"الفرد الواحد"، فقد اختار العرب "الخروف" رمزا معبرا عن الجسد الممزق، و"الرأي" المهروس بالأرجل!

وفي زمن انهيار نظرية "الدفاع العربي المشترك"، مع بدء العدوان الثلاثيني على العراق، وتحالف بعض العرب مع المغول الجدد، فقد اختار العرب "الثعلب" رمزا لسنوات اختلفت فيها نظريات "العدو و"الصديق"، وانقلبت فيها المعايير، وتبدلت فيها التحالفات والمعاهدات وسقطت معها الأقنعة و"السراويل"!

وفي سنوات الحرب على لبنان وغزة، اختار العرب "النعامة" رمزا لخذلان الشقيق، وتركه وحيدا يدافع عن فلول الكرامة العربية الممرغة بوحل البساطير الصهيونية الرعناء!

وفي سنوات "السلام" المزيف التي بدأت عدواها تنتشر في المنطقة، بوصفها الحل الناجع للتعامل مع سياسة "القهر الواقع"، اختار العرب "الحمامة" رمزا لهم، علما أن حمام الأرض كلها أعلن احتجاجه على تمريغ اسمه بتراب الذل العربي، لأنه لا يقبل باحتلال أعشاشه من دون أن تبدر منه مقاومة قد تكلفه حياته كلها، وسيكون مستعدا لدفعها بسخاء، بلا ندم أو "فلسفات"!

وفي سنوات الخصخصة، وسيادة اقتصادات السوق، اختار العرب "الببغاء" رمزا لتقليدهم الأرعن لنظريات لا تتناسب وأسواقهم الفقيرة، وصناعاتهم التي لا يتجاوز ترويجها جدران المصانع نفسها، فكانت النتيجة، مزيدا من الاعتماد على الغرب في صناعاته وبضائعه، مع كل ما يرافق ذلك من ضمور اقتصادي عربي موشك على الزوال!

ولا حاجة للقول بأن بعض الرموز العربية تتكرر، أحيانا، تماما كالسنوات العربية ذاتها، بحسب الحدث نفسه!

ويبقى أن ثمة أسئلة تثار حول ماهية "الرمز" العربي الجديد للمرحلة المقبلة، بعد أن استنفدنا الفئران والبغال والنعام والببغاوات، وهو الرمز الذي أحجم الصينيون عن استخدامه، كما ذكرنا في مطلع المقالة؟

سأريحكم، وأكشف عنه: إنه "الديناصور"!