سورية: ذكرى الثورة والمؤامرة

في مثل هذا اليوم من العام 2011، تكشف للبعض "الوجه الحقيقي" لما سمي "الربيع العربي". فبوصوله إلى سورية، ضد نظام بشار الأسد، لم يعد من مجال للشك، لدى هؤلاء، في أن هذا "الربيع" ليس إلا مؤامرة صهيو-غربية!اضافة اعلان
لكن منطقية وصدقية هذا "الاكتشاف" تستلزمان حتماً "تخيل" أن الجيش السوري كان قد بدأ عشية 15 آذار (مارس) 2011 زحفه لتحرير الجولان المحتل منذ العام 1967، وما أوقفته إلا المؤامرة! قبل ذلك، وأبسط، فإن كشف "مستور" المؤامرة تلك، يعني أيضاً أن نظام الأسد كان قد أجهد نفسه حتى لحظة اندلاع المؤامرة/ الثورة بإصلاحات داخلية؛ سياسية واقتصادية خصوصاً، أقلقت الغربيين والصهاينة من نهضة سورية مرعبة، فكان لا بد من الإجهاز عليها عبر عملاء ومهربين ومأجورين إسلاميين!
طبعاً، وكما يعرف الجميع، بلا أي استثناء، فإن نظام الأسد، أباً وابناً، لم يكن إلا نقيض التحرير والإصلاح بأي شكل ودرجة، وعلى أي مستوى. فليس سراً أبداً أن الجولان هي الجبهة الأكثر انضباطاً وهدوءاً، فلم تنطلق منها حتى رصاصة منذ العام 1973. وعدا عن آلاف المفقودين، المحرم السؤال عنهم، في سجون نظام الأسد منذ عقود، ومثلهم مهجرون ومنفيون، فإن نصيب العلمانيين جداً من رموز "ربيع دمشق" مثلاً، لم يكن إلا التخوين والسجن أيضاً في عهد "الابن" الجديد؛ وإن كان البعض قد يحسبه إصلاحاً عدم اختفاء هؤلاء في السجون والموت تحت التعذيب!
وفي ذات بلد الاكتفاء الذاتي، وقبل الثورة/ المؤامرة، كان مليون وثمانمائة ألف مواطن سوري، يعيش كثير منهم في خيام داخل بلدهم، يعتمدون على مساعدات برنامج الغذاء العالمي، بعد أن هجرتهم من أرضهم سياسات الاستبداد والفساد "التنموية!"؛ إذ أدت إلى تملح الأراضي الشرقية من البلاد. وهؤلاء لم يكونوا في الواقع إلا جزءاً من ربع الشعب السوري القابع في دائرة الفقر على الأقل، إن لم يكن دون ذلك.
لكن من قال إن أنصار نظرية المؤامرة اهتموا يوماً بالإنسان العربي؛ حرية وتنمية، في سورية والعراق وليبيا وسواها من الإقطاعيات القومية؟ القضية بزعمهم هي فلسطين.
لندع السؤال البدهي عن إنجازات التحرير طوال عقود استبداد قومي علماني مضت. ولنسأل: هل باتت فلسطين اليوم أقرب؟ هل يُعقل أن تدمير سورية لأجل الأسد وحده، كما يشهد انعدام المبادرات القومية العلمانية لحقن دماء السوريين وصون بلدهم، يجعل من هذا البلد أقوى في مواجهة إسرائيل؟ وهل يُعقل أنه سيكون بمقدور حزب الله العودة يوماً لأن يكون مقاومة، وقد تحول فعلياً إلى ميليشا تقتل السوريين استناداً إلى أسس طائفية فقط؟
ربما تسمح سورية، لحسن حظ أنصار الاستبداد العربي، بالتهرب من الإجابة؛ لاسيما باستحضار دور التكفيريين الذين تاق لرؤيتهم الأسد وحلفاؤه. لكن هكذا إجابة تبدو جلية تماماً في مصر التي أنجزت نصراً تاماً على مؤامرة "الربيع". فمن يحاصر الفلسطينيين في غزة اليوم؟ ليس إسرائيل وحدها، مع مباركة "عروبية" كاملة.
يوم انطلاق الثورة السورية لا يؤرخ لانكشاف مؤامرة غربية مزعومة باسم "الربيع العربي"، وإنما يؤرخ فعلاً لفضح من شاركوا في مؤامرة الاستبداد والفساد، على مدى عقود، ضد الشعوب العربية وحدها.

rashwanim@