سيد "بيبي".. لا تجمِّد بناء المستوطنات..!


كالعادة، ينجح العقل الصهيوني الماكر، وبسهولة عجيبة، في اختزال كل "الصراع العربي-الإسرائيلي"، أو "الفلسطيني-الإسرائيلي"، لا إلى موضوع المستوطنات فحسب، وإنما إلى مجرد "تمديد تجميد البناء الاستيطاني". ويعلم الجميع، بالحقائق والأرقام، أن البناء في المستعمرات لم يتوقف خلال فترة التجميد الماضية المزعومة. ومع يقينهم بهذا، يقبل الجميع لحية نتنياهو لمجرد التفضل عليهم بإعلان زائف عن تجميد الاستيطان، وهم يعرفون أنه كاذب، لتسويغ استمرار تعاطيهم اللاأخلاقي مع الكيان. يعني: "ناس تضحك على بعض".

اضافة اعلان

ومتسلحاً بالصلف الذي أصبح شرطاً لازماً لكسب أي قضية في عالم اليوم، ساق نتنياهو "الهبل على التياسة"، فأذل رئيس الولايات المتحدة نفسه من أجل منحه "التجميد" ليحفظ به ماء وجهه ويكسب انتخابات نصف المدة. حاول أولاً مبادلة "التجميد" بإطلاق الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد الذي يقضي حكماً بالسجن مدى الحياة في أميركا. ثم رفع قيمة المزاد بعد تهافت المزايدين الكثيرين على بضاعته الرخيصة، ليصبح ثمن عبارة "تكرموا.. جمدنا البناء" لا أقل من الاعتراف بـ"يهودية الدولة" فوق الاعتراف بـ"شرعية الدولة" والاحتلال، ما يعني الحكم على أصحاب فلسطين المتشبثين فيها بالتجريم وعدم شرعية الوجود فيها.!

أهذه هي القصة إذن يا عرب؟ ويا فلسطينيون؟! راح حقنا في فلسطين الأصلية، والضفة وغزة، وأصبحت كل القصة تجميد بناء المستوطنات؟! هل أصبح شعاركم الحالي: "بعسلك يا نحلة ولا تقرصيني؟" وأصبحنا نلهث وراء منح السلام والأمن والتطبيع وصدر المجلس لأحفاد الأورغون والهاغاناه وشتيرن، وبن غوريون وبيغن؟

تذكرني قصة "تجميد الاستيطان" بقصة الماشي الذي صادف أعرابياً يركب حماره في أرض خلاء، فقال: هلا أركبتي معك على "حمارك"؟ وعندما أردفه الأعرابي خلفه، قال الراكب بعد قليل: ما أقوى "حمارك".. ثم بعد مسافة أخرى من الطريق، قال الراكب: تالله ما أقوى "حمارنا".. وبعد أن لاحظ هبل صاحب الحمار وتساهله، دفعه برجله وهو يقول: انزل عن "حماري".

من الواضح تماماً من هو الحمار الحقيقي في هذه القصة.! ويبدو أن نتنياهو وصل إلى بنا إلى مرحلة: "حماري" بعد أن أنجز أسلافه مراحل "حمارك" و"حمارنا"، ونحن نضحك ونلعب. وأصبحنا نلهث خلفه ونناديه ونتوسله، فيلوّح لنا من فوق كتفه ويتسلى بإضافة شروط كلما وافقنا على شرط، لمجرد أن يركبنا معه على ذيل "حماره".

لقد هبط نتنياهو بالخطاب إلى مستوى لا يليق الرد عليه بكلام منمق ومرتب. فبأي لغة إذن تخاطب لصاً يعلق في كتفه عوزي، ويقول إنه سيكف عن توسيع حمّام منزلك الذي سرقه إذا تنازلت له عنه في دائرة أراضي الأمم المتحدة؟! ربما ينبغي الرد عليه بلغة عربي قصير ببدلة متهدلة، معتمر كوفية وعقالاً، ويلوح بمسبحة:

لا يا سيدي. لا يا "خبيبي". لا يا محترم. لن نعترف لك بيهودية الدولة. ولن يقسم لك أحد يمين الولاء. وتريد الصحيح؟ لا نعترف بشرعية وجودك أصلاً في هذا المكان، ولا نريد أن نتفاوض معك. تريد أن تجتاح رام الله؟ تفضل، فمتى كانت رام الله غير محتلة أصلاً! تريد توسيع المستوطنات؟ وسَع يا سيدي، فمتى توقفتَ عن التوسيع؟ تريد أخذ "السلطة" الفلسطينية؟ خذها، فمتى كانت لنا سلطة؟ ولماذا سميتموها "سلطة" وقد قرف الفلسطينيون، تاريخيا، من كلمة سلطة؟ تريد استمرار الاحتلال وابتلاع الأرض والناس؟ لقد ابتلعتهم أصلاً مثل "واوي بلع منجل".

اللغة هابطة؟ هذا هو الكلام هو الوحيد الصالح ليكون الاستراتيجية المناسبة في وقت انحط فيه الكيان إلى هذا الدرك من الوقاحة التي لا يخجل من تسميتها استراتيجية وأيديولوجية. وأذكِّر بالحقيقة التي لا أعرف لماذا ننفر منها: "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة". وأعيدها بسؤال بسيط ومنطقي أيضاً: "أتتحدث بلغة هيغل لتتفاهم مع أزعر يشهر في وجهك موسى ويريد أن يقتلك؟".

معروف أيضاً أن أحسن سبل الدفاع هو الهجوم. والحقيقة أن علوّ صوت مؤسسة نتنياهو المنبوذة أقرب إلى محاولة الخائف المستوحد الاستئناس بصوته وأخذ الآخرين بالصوت. وقد جاءت الحقيقة البسيطة في قولة الكبير الراحل توفيق زياد: "كل ما تجلبه الريح، ستذروه العواصفْ.. والذي يغتصب الغيرَ، يعيش العمر خائفْ"!.

[email protected]