سيسيولوجيا التمزّق والتفكك!

تموج المنطقة العربية اليوم في بحر من الانقسامات والصراعات والاستقطابات الداخلية. النزاع الأكثر بروزاً على السطح خلال الفترة الماضية، ويشكّل هاجساً حقيقياً لمستقبل المنطقة العربية، يتمثل في تفشّي النزعة الطائفية والصراع السني-الشيعي المدمّر والعدمي الذي يمزّق الأوطان والشعوب، ويخلق حروباً داخلية لا منتصر فيها.اضافة اعلان
الصراعات المناطقية والعرقية والدينية هي الأخرى تمثّل تهديداً للدول والمجتمعات؛ فهناك الحالة الكردية والحوثية والأمازيغية (في المغرب العربي)، وكلها أزمات عميقة في أحشاء المجتمعات والدول العربية.
وفي بلدان الفوضى، تحدث تحالفات وانقسامات على أساس مناطقي وعشائري، يتضافر مع موازين القوى الموجودة!
ففي العراق وسورية وليبيا، تجد أنّ الولاء لتنظيم معين، "داعش" أو غيره، أصبح مرتبطاً بالمنطقة والعشيرة. ففي معارك ريف درعا الغربي، ينظر أنصار تنظيم "داعش" (في القرى التي يسيطرون عليها) إلى المقاتلين الذين يهاجمون التنظيم بأنهم من عشائر "الشعيطات" المعروفة بالعداء لداعش، وقد قتل التنظيم عدداً كبيراً من أفرادها على إثر تمرّد في دير الزور.
وفي ليبيا، يكتسب "داعش" قدرة كبيرة على التجنيد في سرت، بسبب ولاء عشائرها لنظام القذافي. وكانت الأخبار قبل أسابيع تشير إلى مقتل نجل أحد أبرز القيادات في نظام القذافي، حينما كان يقاتل في صفوف "داعش" ضد الأطراف الأخرى.
والأمر، بطبيعة الحال، لا يختلف في صحراء سيناء؛ حيث التداخل بين بعض العشائر وتنظيم "داعش" احتجاجاً على سياسات النظام المصري ضد تلك المنطقة وسكانها. وفي اليمن أيضاً أصبحت كل منطقة مرتبطة بقوى سياسية واجتماعية تتماهى معها في التعبير عن مصالح في معركة "تقسيم الكعكة".
حتى الدول العربية الأخرى تواجه انقسامات داخلية واستقطابات سياسية شديدة. ويقف اليوم الصراع العلماني-الإسلامي على سلم الصعود السريع، ليحتل جزءاً مهماً وحيوياً من المشهد في هذه الدول!
والصراع العلماني-الإسلامي الحالي يمثل امتداداً للاختلافات والنزاعات التي انبثقت عن لحظة "الربيع العربي"، وما تلاها من سيطرة الإسلاميين على مقاليد السلطة في كثير من الدول العربية، عن طريق صندوق الاقتراع، ما أخاف التيارات اليسارية والليبرالية والقومية، وشريحة واسعة من المثقفين العلمانيين على "مكتسبات" العلمانية خلال الفترات الماضية، بخاصة في المجال الاجتماعي والثقافي.
تعزز الصراع مع الثورة المضادة، التي تم تدشينها من قبل المعسكر المحافظ في المنطقة. وتجلّت نقطة التحول الرئيسة في الانقلاب العسكري بمصر في 3 تموز (يوليو) 2014، بالتوازي مع الأحداث في سورية التي قسّمت القوى السياسية القومية واليسارية من جهة والإسلاميين من جهة أخرى إلى مؤيدي النظام ومعارضيه. وكل ذلك، بالطبع، انعكس على المشهد الاجتماعي العربي وعملية الفرز التي تحدث في أحشائه!
هذه وتلك من تطورات أنتجت بدورها حالتين متطرفتين؛ مزاج اجتماعي محافظ مسكون بالقلق على الهوية والخشية من وجود أجندة علمانية متطرفة تريد فك الارتباط بين المجتمع والثقافة الإسلامية؛ وتيار علماني يشعر بالقلق من وجود بذور لثقافة داعشية متطرفة، ويحاول تجفيف "مصادرها" في التربية والتعليم والجامعات والمساجد والمجتمع المدني!
هذه الهواجس المتبادلة تحولت إلى حالة من الاستقطاب والتجاذب، ثم إلى إرهاصات صراع ثقافي-اجتماعي جديد بين التيار المحافظ وإلى جواره تيار متشدد يستثمر في هذه المخاوف، والنخب العلمانية المعتدلة التي جرتها النخب العلمانية المتطرفة إلى معركة غير صحيحة في توقيت غير مناسب!
ما نحتاجه هو قراءة هادئة عقلانية، تدرك أنّ تطور المجتمعات ونموها وعملية الإصلاح الديني المطلوبة، تحتاج إلى تفكير أكثر عمقاً وذكاءً من "الشجار" الذي نراه الآن، وما يجره من معارك وهمية لن تنتج إلا تشرذماً ونزاعاً داخلياً وربما تشقيقاً للمجتمعات!