صافوط (4)

الأولاد في صافوط، كلّهم يشجعون البرازيل، وأنا لا أفهم: ما قيمة أن يشجع المرء فريقاً عادة ما يفوز؟! أين التحدي في مساندة فريق هو في العادة أفضل من خصومه في الملعب؟ هكذا، وبالتزامن مع تواتر أخبار كأس العام 1982 التي أقيمت في أسبانيا، بدأت "أتضايق!" من البرازيل التي يشجعها كل الناس، بمن فيهم أصدقاء العائلة وأقاربها، رافضاً أن "أضع رأسي بين الرؤوس"!اضافة اعلان
بعدها بسنتين، في كأس أوروبا 1984، التي بث التلفزيون الأردني مبارياتها مباشرة بتعليق محمد جميل عبدالقادر، وكان تعليقه يمتاز بقلّة الكلام، وجدتُ ضالتي! ثمة لاعب "حرّيف" وأنيق ومهذب مع زملائه والحكّام، اسمه "ميشيل بلاتيني"، غاية ما يفعله حين يحتج، أن يجلس على أرض الملعب من دون أن يصرخ أو يشتم، وهو مع الكرة لاعب فذّ، وهداف ذكي، ويقود فريقاً أنيقاً وجميل الأداء، اسمه "فرنسا". أنا أشجع فرنسا!
لكن تشجيع فرنسا في بيئة لا تعترف بالاختلاف، ويجهد كل أفرادها في تنميط الآخرين على هواهم، ليس أمراً سهلاً! لا بد أن تسمع اتهامات بأنك لا تفهم في كرة القدم، ولا تحسن التمييز بين الفرق واللاعبين. ما "فرنسا" هذه التي تشجعها وهي لم تفز يوماً ببطولة؟! الأمر مضحك عند عموم الأولاد، فهم في كأس أوروبا، التي لا تلعب فيها البرازيل، يختارون فرقاً مثل إيطاليا أو ألمانيا لتشجيعها، لكن حظي كان جيداً في ذلك العام، فقد فازت فرنسا بكأس أوروبا، وسجّل بلاتيني في المباراة النهائية ضد أسبانيا هدفاً ملعوباً من ركلة حرة مباشرة من خارج منطقة الجزاء، واصلت فيه فرنسا تقدمها طيلة المباراة، قبل أن تضيف هدفاً ثانياً حاسماً قبل النهاية بدقائق، ويرفع ميشيل بلاتيني الكأس أمام العالم، وأمام الأولاد في القرية، الذين اهتزت ثقتهم بمسلماتهم في كرة القدم!
أفضل من هذا، حدث بعد شهور قليلة، ففي بطولة كرة القدم ضمن دورة الألعاب الأولمبية للعام 1984، التي أقيمت في لوس أنجيلوس الأميركية، جمعت المباراة النهائية فريقي فرنسا والبرازيل! لقد جاد القدر عليّ بمناسبة عظمى يومها كي أقول للأولاد إن فرنسا التي لا يشجعها غيري، أفضل من البرازيل التي يشجعها كل الناس، فقد فازت فرنسا بهدفين مقابل لا شيء، وظفرت بذهبية الأولمبياد!
في كأس العالم التالية، المكسيك 1986، فازت فرنسا على البرازيل مرة أخرى، خلال ربع النهائي، لكن عائلتي كانت تهم بمغادرة صافوط الجميلة، عائدة إلى العقبة، مسقط رأسي. هناك أيضاً، في صيف العقبة القائظ، المغاير لصيف صافوط ونسماته العليلة، وجدت الناس كلهم يشجعون البرازيل! بلاتيني أبدع هذه المرة، وسجّل ضد البرازيل هدف التعادل الذي قاد إلى ركلات الترجيح، مروراً بإخفاق نجم البرازيل "زيكو" في تسجيل ركلة جزاء تصدى لها "باتس" حارس فرنسا، ثم وصولاً إلى إخفاق سقراط وبلاتيني وسيزار في تسجيل ركلاتهم. فازت فرنسا، وبات غير مستهجن عند السامعين أن أقول: أنا أشجع فرنسا!
لكن الأقران ينسون بسرعة. دخلت فرنسا بعد ذلك نفقاً مظلماً في تاريخها الكروي، وغابت عن كأس العام 1990 في إيطاليا، و1994 في الولايات المتحدة، وعدت أسمع استهجاناً واستغراباً وربما سخرية من عبارة "أنا أشجع فرنسا" طيلة اثنتي عشرة سنة، حتى ظهر زيزو العظيم، زين الدين زيدان، وارث مجد بلاتيني ومجدده، في كأس العالم 1998، وقاد فرنسا ليس إلى الكأس وحسب، بل إلى الفوز على البرازيل –تلك التي يشجعها كل الناس- في المباراة النهائية بثلاثة أهداف نظيفة، سجل منها هدفين بالرأس، وهي المباراة التي باشر البرازيليون وأنصارهم الاحتفال بالفوز بها قبل بدايتها، لفرط ثقتهم في الفوز على فرنسا.
 فرنسا لا تخيّب ظني أبداً، منذ طفولتي المرحة في صافوط، فهي عادة ما تفوز على البرازيل!