صراع الشرعية في "جنيف3"

وفق المعطيات الميدانية والسياسية، لا يكاد يُتوقع شيء من مفاوضات "جنيف3" بين المعارضة السورية ونظام بشار الأسد، لاسيما في مرحلتها الحالية "غير المباشرة"؛ إن على صعيد التوصل لوقف لإطلاق النار، وتالياً الاتفاق على خطوات فعلية على طريق العملية السياسية لإنهاء الصراع نهائياً.اضافة اعلان
مع ذلك يظل لهذه المفاوضات اليوم فضل إنهائها بشكل قاطع ما شكل -زيفاً ومكابرة- "جدلاً" بشأن شرعية المتصارعين على الأرض باسم سورية. وليس الحديث هنا أبداً عن قبول روسيا ولو ضمناً (والأسد ونظامه كتحصيل حاصل!)، بوجود "جيش الإسلام" و"حركة أحرار الشام" في وفد المعارضة. فمثل هذا الأمر قد لا يكون، بالضرورة، ذا أثر إيجابي في التوصل إلى اتفاق جامع، كون روسيا تستهدف المعارضة السورية أساساً، بما فيها تلك التي تقبل بوصفها "معتدلة". وأهم من ذلك أن موسكو وطهران ربما تكونان قد تفاوضتا فقط مع تنظيم "داعش"، المتفق بالإجماع على كونه إرهابياً، وتوصلتا إلى تفاهمات وتوافقات معه، بما شمل السماح بنقل أعضاء للتنظيم بمسارات آمنة في سورية، بضمانات تم احترامها فعلاً!
الشرعية المقصودة هنا هي شرعية نظام الأسد في مقابل شرعية المعارضة السورية، كما تتبدى جلية الآن في جنيف، إن لم يكن منذ انطلاق الثورة السورية.
يكفي الآن، بمناسبة "جنيف3"، النظر إلى مطالب المعارضة المتهمة بـ"العمالة والإرهاب"، وهي تحديداً فك الحصار عن المناطق المحاصرة ووقف سياسة التجويع بحق السوريين، والتوقف عن قصف المدنيين بالبراميل المتفجرة والصواريخ! في المقابل، يؤكد الروس والإيرانيون (فنظام الأسد لم يعد يصرح حتى) أنها شروط مسبقة تخضع للتفاوض، مع أن موسكو وطهران تتحدثان نيابة عن الأسد الذي يُفترض أنه "شرعي"، ويُفترض أنه يستمد شرعيته من السعي إلى حماية السوريين، لا اتخاذهم رهائن لديه!
طبعاً، بدهي أن أنصار الأسد وأتباعه (أو للدقة أتباع إيران وروسيا)، سيستخدمون هنا ذريعتهم الأحدث، وهي محاربة الإرهاب -بعد سقوط كذبة "المقاومة والممانعة" في ظل التنسيق الروسي-الإسرائيلي على أرفع مستوى- لتبرير مواصلة قتل أكبر عدد من السوريين بشكل جماعي.
لكن هنا ضروري تذكر أنه في سويسرا ذاتها وفد "معارضة" رشحه حامي الأسد، روسيا؛ أي أن جميع أعضاء هذا الوفد هم بداهة بريئون من تهمة "الإرهاب"، ناهيك عن كونهم وطنيين بحكم اختيارهم من قبل موسكو، بموافقة ورضا الولايات المتحدة. ومن ثم يكون السؤال: ماذا ستقدم موسكو (وطهران) لهذا الوفد المعارض "الشرعي"؟ طبعاً لا شيء، وإلا لما اضطر أعضاؤه للسفر إلى لوزان وجنيف أصلاً، وكان يمكن التفاوض معهم في دمشق ذاتها، ومنذ سنوات.
الحقيقة أنه من غير الدقيق الحديث عن صراع "شرعية" أصلاً بمفهومها المتعارف عليه منذ مغادرة القرون الوسطى. فحتى ما قبل اندلاع الثورة السورية، وصولاً إلى الوقت الحالي، لا يتأكد شيء أكثر من أن "شرعية الأسد" مرادف فقط للتعامل مع سورية كإقطاعية، تباع وتوهب بأرواح من عليها لمن شاء الرئيس "الشرعي"!