صفة العالِم

.. وكيف يكون العالِمُ عالِما، وقد حفظ ما في الكتب، ولم يناقشها، وسار على خطى الأقدمين في المْيز والحُكْم والذَّوْقِ والصورةِ والكلامِ المستعارِ الجاهزِ الموزون؟ بينما هو لم يحرِّر في نفسه صنما واحدا من تلك الأصنام الموروثة التي عبدها في مطلع حياته، أو عبدها سواه كل حياته؟

اضافة اعلان

أعني تلك الأصنام الثابتة في مساحة العقل عن أن يتصدّى لفكرة فيقلّبها على مختلف وجوهها، أو قيمةٍ يعرّضها للتجربة او للاختلاف, او حكم قاسوا عليه فقاس؟

كيف يكون العالمُ عالما وهو ينكر على تلامذته اختلافهم/هنّ عنه أو أخذهم/هن بمنهج آخر، أو تحررهم/هن من جاهز الأفكار ومعبَّد الطرق؟

كيف يكون العالِم عالِما وقد خلا رأسه من تصوّر الاختلاف وروحه من هاجس التغيير والتطوير في الشأن الذي ظنّ أنه يتخصص فيه، وقلبَه من تقدير التفرد والإعجاب به؟

كيف يكون العالِم عالِما، وهو يتصور العلم بحثا في الكتب وعلى منهج القدماء لا غير، والشعرَ شعرا إذا كان على أوزان الخليل؟ واللغة لغةً إذا لم تغادر إيقاع الجاحظ أو بلاغة الحجاج، أو صاحب الوزارتين؟

 كيف يكون العالم عالما إذا كانت حجته في علمه إغلاق الاجتهاد اللغوي والإبداعي، وتعطيل اقتراحات العقل الإنساني والمخيلة البشرية لتطويع اللغة والفنون والآداب والشعر لمراقٍ جديدة، ومغامرات رحبة؟ وكيف يكون العالم عالما وهو يرى أن اللغة هي ما ورثناه، لا ما تمليه علينا حاجاتنا الجديدة وحساسيتنا الجديدة؟

وكيف يكون العالم عالِما وظنُّه في المرأة لا يتعدّى دورها زوجة وأما (في العلن)، وعشيقة (في السرّ)؟ ولديه موقف صلف من نداءات النساء المستميتة لرفع وصايته هو وأمثاله -تحديدا- عن مصائرهن؟

وكيف يكون العالم عالما وهو يتخذ الكذب والخديعة والتمثيل حلية يتجمل بها، وبها يبرهن حياته، مثلما زاده من التواضع ضَحْلٌ؟

كيف يكون العالم عالما وهو يقيس بمسطرتين أو ثلاث -حسب المناسبة- ويكيل بمكيالين أو عشرة -حسب الظروف-؟

وهو يضن بماله ووقته وجهده وعواطفه، ولديه اهواء ومغامرات وحياة ذات ظلال وعتمات؟

 كيف نسميه عالما ذاك الذي محفوظه في الذاكرة هو حصيلة كل ما علم وعلّم؟ به يبهر الناس، وبه يختال؟ وإذا فحصت ما كتب ونشر- باستثناء الأطروحة- لم تجد/ ي إضافة ولا ألقا ولا إرثا ذا شأن؟

كيف يكون العالم عالما وهو يعتمد -في الأساس- على جاذبيته الشخصية (الكاريزما) كذخيرة تفتح له أبواب المناصب والقصور، وأبواب النساء؟

 ***

ألا إن العالِم عقلٌ مغامرٌ، وروح جبارة، وقلب كبير شجاع... ألا إن العالم بخلقه أولا، بورعه العلمي، بميزان العدل في روحه، بتقواه في حق الآخر... بكرامته مصونةً وكرامة الآخر والأخرى... بفكرته الشريفة عن الحياة، بعمقه في إدراك المغزى والحرية والتقدم... بأسئلته الكثيرة التي أجاب عن قليل القليل منها...

ألا إن العالِمَ الذي يملأ قلبه الحب-لا البغضاء والتجافي- الذي فيه السماحة والتسامح... الذي لا يختال وينصف... الذي تعنيه الرحلة في الحقيقة وفي الطرق غير المعبّدة وفي الأفكار النائية... الذي يتوارى في ظله كأي متشكك.. ويعترف بأن ما قدمه ليس بشيء..

يشبه أن يكون العالمُِ نبيا، لا يفتنه عن علمه عَرَضٌ، ولا يُذلّه مطلب أو شهوة دنيوية...

فلينظر (علماؤنا) في العلم معنى وخلقا... لأن أرواح العالَمِ والأفكار بين أصابعهم.

[email protected]