صورة أخرى لليونان

بعد نقاش غير مألوف، شاركت فيه أطراف حكومية وغير حكومية، أقرت الحكومة اليونانية  قبل أيام، مشروع القانون الجديد حول الهجرة والمهاجرين، الذي من المتوقع أن يناقش ويقرّ في البرلمان اليوناني خلال شهر أيار القادم. ومع هذا القانون يمكن القول، إن صورة أخرى عن اليونان ستبرز بسرعة، وخاصة لمن لا يعرف اليونان، أو لمن كان يعرف اليونان حتى عهد قريب.

اضافة اعلان

فقد دخل في تكوين اليونان خلال العقد الأخير عنصر سكاني جديد، نتيجة للهجرة الشرعية وغير الشرعية، وتزايد حجم هذا العنصر السكاني حتى وصل إلى حوالي المليون، يمثلون حوالي 10% من سكان البلاد، ويساهمون الآن (من الناحية الاثنية والثقافية) في تشكيل صورة مختلفة عن اليونان.

وكانت اليونان قد ورثت نتيجة للحرب البلقانية (1912-1913) ضد الدولة العثمانية أولاً، ثم ضد بلغاريا لاحقاً، مناطق واسعة من الدولة العثمانية المهزومة في تلك الحرب، تشتمل على عناصر اثنية مختلفة، مما أدى إلى تضاعف مساحة اليونان وعدد سكانها تقريباً.

لكن الحكومات اليونانية المتعاقبة سعت، في محاولاتها لبناء "الدولة القومية"، إلى إحداث تغيير سكاني كبير على الأرض حتى تكون اليونان بحدودها الجديدة "دولة قومية" بالفعل. وهكذا فقد أجرت في عام 1923 مع تركيا الكمالية اتفاقية هي الأولى من نوعها في القانون الدولي لتبادل السكان، فاستقدمت اليونان حوالي مليونين من اليونانيين أو من يشعرون أنفسهم بأنهم من اليونانيين مقابل إجلاء حوالي مئة ألف مسلم إلى تركيا على اعتبار أن كل مسلم هو تركي أو راغب في العيش في تركيا، وهو ما لم يكن ينطبق على جميع المسلمين الذين وجدوا أنفسهم فجأة ضمن الحدود الجديدة لليونان، خاصة في الشرق المجاور لتركيا (تراقيا، والغرب المجاور لألبانيا (تشامريا).

ومن ناحية أخرى، فقد مورست سياسة منظمة على البلغار وسلاف مكدونيا لتذويبهم في الإطار اللغوي والديني اليوناني، إذ إن اليونان لم تعترف بوجود أية أقليات، ولم تسمح بنشاط الكنائس البلغارية والمكدونية، ولا باستخدام اللغات الاخرى (البلغارية والمكدونية والتركية والألبانية والفلاشية) للأقليات الموجودة فيها.

وهكذا بعد حوالي قرن من الزمن لهذه السياسات، التي لم تختلف كثيراً باختلاف وتعاقب الحكومات من جمهورية إلى ملكية ومن يمينية إلى يسارية، أصبحت اليونان الدولة البلقانية الوحيدة التي تتميز بأعلى نسبة اندماج اثني وثقافي وديني (أكثر من 95% من ديانة وقومية واحدة)، على الرغم من الملاحظات والانتقادات التي كانت تبديها عصبة الأمم والمنظمات التابعة للأمم المتحدة حول هذه السياسات تجاه الأقليات، التي كانت موجودة وهمّشت بالتدريج.

ولكن يبدو أن ما حققته حكومات اليونان خلال قرن من الزمن تقريباً ينهار الآن أمام ضغوط التغيرات الجيوبوليتيكة في أوروبا الشرقية، والظروف السياسية والاقتصادية في شرق وجنوب المتوسط. فمع انهيار جدار برلين في عام 1989، وسقوط الأنظمة الشيوعية وانهيار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا الشرقية، أصبحت اليونان هدفاً لمئات الألوف من المهاجرين الباحثين عن عمل ومستوى أفضل للحياة، أخذا بعين الاعتبار أن اليونان كانت الدولة الوحيدة في البلقان التي سبقت بانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. ومن ناحية أخرى، فقد كانت اليونان، بشواطئها الطويلة الممتدة على ثلاثة بحار (بحر إيجه، والبحر المتوسط، والبحر الأدرياتيكي)، هدفاً سهلاً للهاربين والمهاجرين غير الشرعيين من شرق المتوسط (من الأكراد والأتراك)، وجنوب المتوسط (من العرب والأفارقة)، الذين كانوا يقصدون اليونان كمستقر لهم، أو كطريق عبور إلى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي.

وهكذا، خلال عقد ونصف (1990-2005) تزايد عدد المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين حتى وصلوا إلى المليون تقريباً، وهو ما فرض بالتدريج تغيير الصورة النمطية عن اليونان بسبب نسبتهم المعتبرة إلى عدد السكان (حوالي 10%) وثقافاتهم المختلفة التي حملوها معهم. وقد كان من الطبيعي أن يؤدي وجود هؤلاء المفاجىء والكثيف إلى ردات فعل عنصرية ضد "الأجانب" أو السكان الجدد في اليونان، وهو ما فرض على الحكومة أن تصدر في عام 2004 قانوناً ضد الممارسات العنصرية، يفرض غرامات كبيرة على كل من يسيء إلى الآخر، المختلف في لونه ودينه وثقافته، ويحرمه من المساواة في فرص التعليم والصحة والعمل ...الخ.

ومن ثم بدأ النقاش من جديد حول ضرورة إصدار قانون جديد ينظم أوضاع الهجرة والمهاجرين، بعد أن تكاثر عددهم وفرضوا وجودهم في السنوات الأخيرة. وكان من الملفت للنظر أن المنظمات المختلفة التي تمثل هؤلاء المهاجرين ومصالحهم، قد نجحت في المشاركة في النقاش الذي انطلق خلال عام 2004 حول مشروع القانون الجديد، وذلك لإدخال تعديلات على المسودة المعلنة له، بحيث تعبر أكثر عن مصالحها وتدافع عن وجودها. ومع الملاحظات/التعديلات الأخيرة، أعطت الحكومة اليونانية الضوء الأخضر لمشروع القانون كي يطرح على البرلمان في الأيام القادمة.

وأهم ما يحمله مشروع القانون الجديد "تشريع" وجود المهاجرين غير الشرعيين. فكما ذكر وزير الداخلية بروكوبي بافلوبولوس، يهدف المشروع إلى "تقنين كل المهاجرين غير الشرعيين الموجودين حالياً في اليونان"، والذين تقدرهم الصحافة اليونانية بحوالي نصف مليون. وبحسب مشروع القانون، فإن كل المهاجرين غير الشرعيين الذين يثبتون وجودهم خلال 2001-2005، سيحصلون على بطاقة إقامة صالحة لمدة خمس سنوات. ومن ناحية أخرى، يسمح مشروع القانون للمهاجرين غير الشرعيين، بعد تصويب أوضاعهم، في "لم الشمل العائلي"، أي باستدعاء زوجاتهم وأولادهم الذين هم تحت سن الثانية عشرة.

ولكن في المقابل، ستقوم الحكومة اليونانية مع استيعاب هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين بوضع برنامج حازم لمراقبة الزيارات والهجرات غير الشرعية، وذلك بالتشدد في إعطاء التأشيرات، والتشدد في مراقبة الحدود.

وهكذا، ومع القانون السابق ضد الممارسات العنصرية، وإقرار مشروع القانون هذا خلال الأيام القادمة، تكون اليونان قد اتسعت وتنوعت بالمفهوم الاثني والثقافي والحضاري، وأصبحت اكثر من ذى قبل جزءاً من البلقان وشرق المتوسط بحكم التنوع الجديد الذي يبرز فيها من جديد.