طوفان الحوار

"التشخيص بالاستبعاد" تسمية تطلق في الطب على طريقة لتحديد المرض، حيث يبدأ الطبيب باستبعاد فرضية بعد أخرى وصولا الى  أقوى الاحتمالات. الشكوى الاساسية للمريض تحتمل عدة فرضيات، وبتقصي مختلف العوارض الجانبية يستثني الطبيب الاحتمال الذي يختلف مع عدد من شكاوى المريض ثم الذي يليه حتى يبقى الاحتمال الذي يتقاطع عليه أكبر عدد من العوارض.

اضافة اعلان

اتبعت هذه الطريقة لتشخيص قانون الانتخاب المناسب لنا بادئا أولا بأول باستبعاد المقترحات غير المناسبة شارحا الحيثيات بأقصى إيجاز ممكن، لكن شيخ الكتاب د. فهد الفانك لم يتركني أكمل سلسلتي وسارع استنادا الى مقالاتي نفسها الى الاستنتاج الأخير بأفضلية بقاء الوضع القائم، وأنا أعد بنقض المزيد من المقترحات البديلة للوضع الحالي لكن طبعا ليس لاستخلاص الحلّ ببقاء القديم على قدمه، ولن أقول سلفا أين سأصل لأنني أريد ان يتتبع معي القارئ "المهتم" كيف ولماذا وصلنا الى الحلّ الأخير البديل.

سنمشي على مهل مع كل الأفكار حول قانون الانتخاب، وهي ليست مجرد وجهات نظر كما لو ان المرء يختار اللون الذي يحبّه، يجب ربط الأمر في كل لحظة بهدف الإصلاح سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ضمن الحدود وفي ضوء كل الاعتبارات المعروفة وطنيا وهي ذاتها جزء من الحوار، وفي الندوة المهمة التي تنشرها "الغد" هذا اليوم ركّز د. معروف البخيت على نقض الوهم بأن قانون الانتخاب أو اي قانون بذاته "يشيل الزير من البير"، لأن عملية الإصلاح والتغيير ذات أبعاد ثقافية واجتماعية معقدة ومديدة. ولا بأس بهذا التنبيه شرط أن لا يكون مبررا للابقاء على قانون أخذ يعيق التقدم.

حلّ مجلس النواب والدعوة لقانون انتخاب جديد أطلق زخما هائلا من الحوار، وعلى أجندتي هذا الاسبوع فقط عدّة دعوات ذات صلة، لكن ليس فقط الندوات والموائد المستديرة ولا حتى المقالات في الصحف، فهناك ميدان جديد وسّع المشاركة في الحوار الفوري والتفاعلي إلى مديات غير محدودة، وأشير مثلا الى التعليقات اليومية على موقع "الغد" الالكتروني وهي هذه الأيام على درجة من العمق والنضج والجّدية تفرح القلب حتّى لكأن مقالاتنا تبدو مجرد مدخل لما يليها من مداخلات توازيها وأحيانا تتفوق عليها حجما ومضمونا، وهي ذاتها تصبح موضوع مساجلة بين المعلقين. 

وقد رفع هذا معنوياتي التي أحبطها نمط الحوار والإسفاف في التعليقات على المواقع الاخبارية الالكترونية، لكن حتّى هناك تتحسن الأمور ويرتفع مستوى الحوار تمشيا مع الجو السائد المبشر بهبوب رياح التغيير.

ما نزال في بداية طوفان من الحوار الذي سيتصاعد خلال الأسابيع المقبلة وهو بذاته ذو فائدة عظيمة ولا نستطيع ان نتخيل إلا أنه سيأخذنا الى مستويات جديدة. وكان استخلاص  د. محمد أبو هديب في ندوة أمس أنه سيكون من الخطير ألا ينتهي هذا الحراك الكبير الى التغيير.

[email protected]