عالم نصنعه أو يصنعنا

بشيء من المجازفة، يمكن القول إنها لم تحمل أي جديد، مقارنة بالدراسات السابقة المتاحة، النتائج الخمس عشرة التي انتهى إليها تقرير "الحياة الرقمية في العام 2025"، والصادر عن معهد "بيو" الأميركي في آذار (مارس) الماضي، بمناسبة مرور 25 سنة على دخول الإنترنت الاستخدام العام.اضافة اعلان
ولعل الأهم في تلك النتائج المستندة إلى توقعات أكثر من 2500 خبير أو مهتم بالتأثيرات المختلفة للإنترنت، في المجالات كافة، هو تأكيدها (لاسيما النتائج الأربع عشرة الأولى) على وجود احتمالات متناقضة تماماً لتبعات تحول الإنترنت إلى "كهرباء" (العصر) بحسب التقرير؛ بمعنى أنها "لا تكاد تكون مرئية، رغم تغلغلها في حياة الناس". فعلى سبيل المثال، هل سيصبح الأفراد أكثر وعياً ومعرفة وترابطاً، بفضل الإنترنت؛ أم سيكونون أكثر عزلة، وإن في قواقع كبرى، وبالتالي أكثر استقطاباً، نتيجة غزارة المعلومات، من ناحية، والتي تفرض "مفارقة" تتمثل في الحاجة إلى "فلترة" طوعية رغائبية لما يمكن الاطلاع عليه؛ كما نتيجة لظهور "شبكات إنترنت" متعددة، من ناحية أخرى، بدلاً من شبكة إنترنت واحدة؟ أيضاً، وكما تؤكد قضية إدوارد سنودن، المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأميركية، من يا تُرى سيزداد انكشافاً؛ الحكومات أم الأفراد؟ ذلك أن هذه القضية تؤكد الأمرين معاً.
هذا التناقض بين إيجابيات العالم الرقمي المتوقعة والمأمولة، وبين سلبيات بعضها بات مؤكداً أيضاً، هو ما يجعل من النتيجة الأخيرة المتضمنة في تقرير "بيو"، بمثابة النتيجة الأهم؛ رغم أنها، توصية أكثر منها توقعا، وهي مرة أخرى، ليست بالنتيجة/ التوصية الجديدة أبداً. إذ بحسب المحامي المتخصص بالإنترنت، روبرت كانون، صاحب التوصية/ النصيحة، فإن "الطريقة المثلى للتنبؤ بالمستقبل، هي في خلق هذا المستقبل ذاته". لكن هنا تحديداً تبرز نتيجة أخرى "سلبية" في التقرير، بأن "البشر ومؤسساتهم القائمة حالياً قد لا يستجيبون بالسرعة الكافية للتحديات التي تطرحها الشبكات المعقدة". الأمر الذي يبدو خصوصاً في العالم العربي.
فرغم وجود أكثر من 125 مليون شخص مستخدم للإنترنت في العالم العربي في آذار (مارس) 2013، بحسب موقع "تقرير الإعلام الاجتماعي العربي" التابع لكلية دبي للإدارة الحكومية؛ 53 مليون شخص بينهم فاعلون على شبكات التواصل الاجتماعي، تظل السمة الغالبة هي ضعف الدراسات والمسوحات التي تتناول ماهية المحتوى الإلكتروني المستهلك عربياً، وكيفية تأثيره اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، كما سياسياً، خارج العالم الافتراضي. وهو ما يتضافر مع المشكلة التي باتت معروفة تماماً بشأن ضعف المحتوى العربي، حجماً ونوعية، على شبكة الإنترنت بشكل ضخم جداً.
وإذا كان من دليل على الحضور الصارخ للتناقض عربياً، فهو اعتبار الإنترنت المسؤولة أساساً، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي خصوصاً، عن اندلاع ثورات "الربيع العربي" المبشرة بالحرية والكرامة والديمقراطية، لكنها تتحول اليوم هي ذاتها (الإنترنت ومواقع التواصل) إلى واحدة من أهم أدوات الاستقطاب الاجتماعي القائم على نشر الكراهية، وفق خطوط تمايز تمتد جذورها عميقاً في تاريخ المنطقة، لكنها تغدو الآن فقط أساس عداء استئصالي في وجهته.
العالم الرقمي ليس عالماً موازياً للعالم الواقعي، بل هو يصنع عالمنا الحقيقي، إلى الآن، طالما أننا لا نصنعه، أو على الأقل نسيطر عليه. ويظل المتطلب السابق في كل الأحوال هو فهم ذاك العالم الرقمي، واقعياً.